وعلى المرء أن يفتش في نفسه، الفرس متى تظهر آثارها الضعيفة؟ المرض يظهر عند الاختبار، هو لا يعرف نفسه لكن عند الاختبار يسقط، لماذا يسقط؟ لأن هناك معاصٍ قد أتى بها بينه وبين الله فظهرت عندما وقع الاختبار.
"وَقَدْ قَالَ الْغَزَّالِيُّ: "قَلَّمَا يُتَصَوَّرُ الْهُجُومُ عَلَى الْكَبِيرَةِ بَغْتَةً، مِنْ غَيْرِ سَوَابِقَ وَلَوَاحِقَ مِنْ جِهَةِ الصَّغَائِرِ. قَالَ: وَلَوْ تُصُوِّرَتْ كَبِيرَةٌ وَحْدَهَا بَغْتَةً، وَلَمْ يَتَّفِقْ عَوْدُهُ إِلَيْهَا، رُبَّمَا كَانَ الْعَفْوُ إِلَيْهَا أَرْجَى مِنْ صَغِيرَةٍ وَاظَبَ عَلَيْهَا عُمْرَهُ":
ولذلك دعوكم من قضية الفجأة هذه قليلة في الوجود وتحصل للأفراد، الفجأة هذه دعوكم من تفسيرها، هذه فيما يظهر لنا هي فجأة، وفي الحقيقة ليس فجأة، واحد يقول الإيمان يحصل فجأة، نقول: نعم يمكن بالنسبة لنا أن يحصل فجأة، ولكن الصواب لا بد من مقدمات. عندما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ما دعوتُ من أحد إلا كانت له فترة إلا أبو بكر)، يعني هل أبو بكر هكذا كان مغلقًا بالكفر متصوِّرًا بالجاهلية على حقيقتها مؤمنًا بها مُقعِّدًا لها في قلبه ثم جاءه الإيمان فانتقل من هذا الكفر العظيم إلى الإيمان العظيم؟ الجواب: لا، هذا ليس صحيحًا. والذي يتصور هذا مخطئ في التفسير، قطعًا أبو بكر كان عنده شك في الجاهلية ولا يؤمن بها، والدليل أنه ما كان يشرب الخمر في الجاهلية، وهو من خيار الناس في الجاهلية، فالجاهلية عنده في مرحلة الشك. جاءه الإيمان فوضع رجله وكانت قريبة، بخلاف من تكون رجله بعيدة يحتاج إلى فترة وإلى زمن حتى يأتي إليها.
واحد يقول أين هذا من إيمان أهل السحر في زمن فرعون لما رأوا هذه الآية العظيمة من هذه العصا تتحوَّل؟ كان هناك مقدمات لها، ما هذه المقدمات؟ ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ انظر إلى الكلمة هزّتهم ودمرتهم، ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ ماذا قال القرآن بعدها؟ ﴿فَتَنَازَعُوا﴾؛ قبل أن يحدث صار عندهم هزّ بالجدران والبيت اهتز وانهدم، فجاءت الثانية فإذا هي ساقطة، ولم تسقط من بدايتها، ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾؛ ماذا يقول هذا؟! كلامه مخيف، هل نحن على باطل يا جماعة؟ هذا كلام جديد، ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ صار هناك نزاع بهذه الكلمات. مثلما قال قوم إبراهيم -عليه السلام-: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ في الأول اهتزوا، ثم بعد ذلك رجعوا لما هم عليه ونُكسوا على رؤوسهم، فلذلك حتى السحرة قبل إيمانهم حصل بينهم شك فيما هم فيه من دين.
ولذلك يقول: (قلما)، لكن لو حدثت؛ فالشأن بها التوبة والرجوع، بخلاف من استمرأ الرؤية، مثل النظر، النظر صغيرة، يصير دائمًا ينظر إلى النساء ويشتهي هذه ويشتهي هذه فحينئذ يكون وقوعه في الزنا سهلًا، بخلاف من لا يقع في هذا فإنه يُعرض، فإن وقع يُرجى له التوبة.