يتحدَّث عنهم بصفة الإيمان مقابل الكفر، وإنما تحدث عنهم بصفة الإيمان مقابل تكاثر المعاصي. لما ردَّ عليهم: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ ما قال: (كفار)؛ لأن الحديث عنهم باعتبارهم مسلمين، فالمسلم ما الذي يقابله من الإيمان؟ لو أنه خرج من صف الإيمان الممدوح، وليس صف الإيمان الذي يدخل به المرء الجنة، ما الذي يقابله؟ ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ فذكر ما يقابل الإيمان بالنسبة للمسلم وهو المعصية وتكاثر المعصية.
"فَلَيْسَتْ سَرِقَةُ نِصْفِ النِّصَابِ كَسَرِقَةِ رُبْعِهِ، وَلَا سَرِقَةُ النِّصَابِ كَسَرِقَةِ نِصْفِهِ، وَلِذَلِكَ عَدُّوا سَرِقَةَ لُقْمَةٍ وَالتَّطْفِيفَ بِحَبَّةٍ مِنْ بَابِ الصَّغَائِرِ -مَعَ أَنَّ السَّرِقَةَ مَعْدُودَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ-، وَقَدْ قَالَ الْغَزَّالِيُّ: "قَلَّمَا يُتَصَوَّرُ الْهُجُومُ عَلَى الْكَبِيرَةِ بَغْتَةً، مِنْ غَيْرِ سَوَابِقَ وَلَوَاحِقَ مِنْ جِهَةِ الصَّغَائِرِ":
انتبهوا إلى هذا النظر التربوي العظيم من الغزالي، هذه من فوائد كتاب (الإحياء). ولذلك قال الله -عزَّ وجلَّ-: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ هل أساؤوا سيئة واحدة؟ (السُّوأَى) كثيرًا، ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ﴾ جعلها عاقبة، ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ المعصية بريد الكفر، المعصية إذا فعلها المرء وتكاثر عليها أدّت إلى تكذيب دين الله -عزَّ وجلَّ-، انظر الأول، انظر إلى الذين يعيشون مع الربا، ينتهي بهم إلى الكفر، مرة واحدة يقول: "أستغفر الله وأتوب وهذه معصية"، لكن اذهب إلى آكلي الربا الذين يعيشون معه ويستمرئونه تجدهم: ﴿كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ يستحلُّونه، بل ويجعلون القول بغيره من البيع استهزاءً ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾. هذا نجده من أصحاب المعاصي، الذي يزني يقول: "صدقني هذا أحلى من الحلال"!، هذا كفر، خرج من الملة بهذا. وكل معصية تجدها إذا استمرأها المرء وصل إلى هذه الحالة.
شيخ الإسلام في كتابه (الإيمان الكبير) علمنا شيئًا أخطر من هذا، وهو عند الموت، قال: نحن لا نحكم إلا بحسب الدنيا والظاهر، لكن عند الموت هؤلاء الذين يعملون المعاصي قد يسقط بهم المقام في الكفر عند الموت، وذلك عند عرض إبليس عليهم الكفر عند الموت، هو في الدنيا لا نعامله إلا معاملة المسلمين، لأنه مسلم ويصلي وكذا، ولكن هو يستمرئ الكفر ويستمرئ المعصية وعند الموت يُفتَن فلا يصبر، كمن يُفتن في الدنيا، يأتي الشيطان يعرض عليه الكفر فيسقط وينتهي به إلى الكفر بسبب المعاصي، ولذلك قال الله -عزَّ وجلَّ-: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾، الشيطان لا يمكن أن يدخل على الإنسان إلا ببعض ما كسب. ولذلك هذا الكسب عليك أن تحذر منه، القطرة الصغيرة تشكل نهرًا وبحرًا، فلا تستقلَّها،