الشاطبي وفهمنا له بأن الكلي يُطلق على المعنى الجزئي مقابل الجماعة، وعلى الفردي في الحال مقابل تكرُّر الحال، فتكرر الحال وطبيعة الحال هي التي تُسمى بالكلية. وفي الحالة الواحدة تُسمى جزئية. فإذا كان واجبًا في الجزء فهو واجب في الكل. لكن هذا عليه كذلك اعتراض، وانتبهوا إلى هذا فهو مهم.
"أَمَّا بِحَسَبِ الْجَوَازِ؛ فَذَلِكَ ظَاهِرٌ": المقصود الجواز العقلي.
"فَإِنَّهُ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الظُّهْرُ الْمُعَيَّنَةُ فَرْضًا عَلَى الْمُكَلَّفِ يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا، وَيُعَدُّ مُرْتَكِبَ كَبِيرَةٍ؛ فَيُنَفَّذُ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ بِسَبَبِهَا إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ؛ فَالتَّارِكُ لِكُلِّ ظُهْرٍ أَوْ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَحْرَى بِذَلِكَ":
هذا بمعنى تكرُّر الحال.
"وَكَذَلِكَ الْقَاتِلُ عَمْدًا إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً، مَعَ مَنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ وَدَاوَمَ عَلَيْهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ بِالْمُدَاوَمَةِ أَعْظَمُ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا":
ولذلك في الحديث -وينبه عليها الشيخ هنا- قوله: (من ترك الجمعة ثلاثًا)، إذًا تكرَّر الأمر فصار أعظم، وتكرُّر الأمر في ترك الواجب يُخرجه من حال إلى حال.
"وَأَمَّا بِحَسَبِ الْوُقُوعِ؛ فَقَدْ جَاءَ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي تَارِكِ الْجُمْعَةِ: (مَنْ تَرَكَ الْجُمْعَةَ ثَلَاثَ مرات طبع الله على قلبه)؛ فقيَّد بِالثَّلَاثِ كَمَا تَرَى. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: (مَنْ تَرَكَهَا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا أَوْ تَهَاوُنًا)، مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا مُخْتَارًا غَيْرَ مُتَهَاوِنٍ وَلَا مُسْتَخِفٍّ لَكَانَ تَارِكًا لِلْفَرْضِ؛ فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَهَا مَرَّاتٍ أَوْلَى فِي التَّحْرِيمِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَهَا قَصْدًا لِلِاسْتِخْفَافِ وَالتَّهَاوُنِ، وَانْبَنَى عَلَى ذَلِكَ فِي الْفِقْهِ: أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ. قَالَهُ سَحْنُونٌ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: إِذَا تَرَكَهَا مِرَارًا لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لم تجُز شهادته. وكذلك يَقُولُ الْفُقَهَاءُ فِيمَنِ ارْتَكَبَ إِثْمًا وَلَمْ يَكْثُرْ مِنْهُ ذَلِكَ: إِنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَبِيرَةً، فَإِنْ تَمَادَى وَأَكْثَرَ مِنْهُ كَانَ قَادِحًا فِي شَهَادَتِهِ، وَصَارَ فِي عِدَادِ مَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً.
وَأَمَّا إِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْوَاجِبَ لَيْسَ بِمُرَادِفٍ لِلْفَرْضِ؛ فَقَدْ يَطَّرِدُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ":
يعني ليس مرادفًا -على ما شرحناه-؛ لأن هذا مذهب الأحناف وهو يريد أن يتكلم عن المذهبين كما تعلمون.