حمل دلالة زائدة، ليست فقط موجودة في داخل النص ولكنها كذلك الظلال التي تحيط بالنص. من أجل هذا نقول أن الأمر يقتضي الوجوب، لماذا؟ لو زعموا أن العربية لا تفيد هذا إذ وُجد خطاب عربي وأمر عربي بين أناس وبين شخصين وبين فرقتين ولم يقتضِ هذا، لا يدل على الأمر ولا يدل على الإلزام؛ نقول لهم لا بد من النظر إلى الآمر وإلى المأمور، فلما كان الآمر هو الله وهو الرب، ولما كان المأمور هو العبد؛ دلَّ على أن الطلب إنما يُراد به الإلزام، الطلب لا يُراد به مجرَّد أن يبحث عن قرينة أخرى، وجود طالب هو مستعلٍ على طالبه فهذه هي القرينة بنفسها.
ولذلك الأمر يقتضي الوجوب لأن هذه هي طبيعة خطاب الآمر المستعلي على المأمور العبد، هذه قضية يجب أن تكون واضحة، ولذلك هذا من مصادر أصول الفقه. وهذه طبيعة الخطاب، أو ما نسميه (مزاج الخطاب).
ولذلك الأمر يقتضي الوجوب، حينئذ ما يخرج عن هذا الأصل ينبغي النظر فيه، وهناك أوامر للإباحة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ هل هذا على جهة الوجوب؟ نقول هناك صوارف لا بد من النظر فيها، طيب لما يقول: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، لم يقل أحد أن الاصطياد واجب، هذا يدخل في باب آخر وهو باب الأمر بعد النهي، فهذا له بابه في أصول الفقه. أو أن يأتي الأمر على جهة الأمر القدري: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ على معنى الاستهزاء، أو على معنى التَّبكيت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ هذا المقصود به الاستهزاء. فهذه صيغ أمرية قرائنها تدل على أنه ليس المطلوب منها الفعل.
فإذا جاء الأمر على جهة الفعل فإنه في الأصل يدل على الوجوب، هذا ينبغي أن يُقرَّر. ومع ذلك فمثل هذا الأمر يحتاج من طالب العلم أن يكون قارئًا لأصول الفقه في مرتبته الأولى.
الواجب والفرض
"فَصْلٌ: أَمَّا الْوَاجِبُ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مُرَادِفٌ لِلْفَرْضِ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا بِالْكُلِّ وَالْجُزْءِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ إِنَّمَا أَطْلَقُوا الْوَاجِبَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ الْجُزْئِيُّ، وَإِذَا كَانَ وَاجِبًا بِالْجُزْءِ؛ فَهُوَ كَذَلِكَ بِالْكُلِّ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَلَكِنْ هَلْ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِحَسَبِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ أَمْ لَا؟ ":
إذًا لا يوجد أعلى من درجات الوجوب، فإذا كان جائزًا في الجزء يكون واجبًا في الكل، هذه هي القاعدة وانتهينا منها، قضية الجزئي والكلي، باعتبار الفرد وباعتبار المجموع، وكذلك باعتبار الفرد وسريانه عليه. ما معنى الكلي؟ الكلي كما في قراءتنا لكلام