تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما في الأثر فلا فرق؛ بمعنى أنه من ترك واجبًا عند الأحناف كمن ترك فرضًا لكنه أخف، ففي الأثر لا فرق. إذًا أين الفرق؟ الفرق في الدليل؛ فما ثبت بدليل التواتر أو بدليل قوي على المعنى المشهور عند الأحناف فهو الذي يُقال له الفرض، وأما الواجب فما ثبت بدليل الآحاد.

هذا يقتضي تفصيلًا ما، أنتم تعلمون أن "المشهور" في مصطلح الحديث عن المحدثين ليس مرتبة من مراتب الحديث وإنما هو وصف لحديث من أقسام الآحاد، ما هو "المشهور" عند العلماء؟ هذه كلمة تُطلق على معانٍ عدة عند أهل الحديث والمصطلح، المتواتر شرطه بأن يكون متواترًا في كل طبقات السند، رواه جمع عن جمع، من أوله إلى منتهاه. لكن المشهور في بعض صوره وتعريفاته هو ما ابتدأ آحادًا ثم اشتهر، وأشهر حديث في هذا هو: (إنما الأعمال بالنيات)؛ فإنه بدأ آحادًا يعني أنه لم تصل طبقة رواته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة أو التابعين بعدهم إلى درجة التواتر، الجمع الذي يُخرجه عن حد الآحاد إلى التواتر، ثم بعد ذلك هذا الحديث يشتهر ويصبح مشهورًا، هذا هو (المشهور) في كلام بعض أهل العلم.

طبعًا المشهور مثل الأحاديث المشتهرة يعني مشتهرة بين الناس ومعروفة. هذا الحديث المشهور عند أهل الحديث وعند الجمهور ليس مرتبة، هذا لا يُخرجه عن حد الآحاد، فهو صفة، هناك بعض الأحاديث مصطلحها إنما هو للمعرفة وللتميز ولكن ليس مرتبة. ما هي مراتب الحديث من جهة عدد الرواة؟ إما أن يكون آحادًا أو أن يكون متواترًا، والآحاد له أسماء كثيرة، وله تصانيف كثيرة، وله فروع كثيرة، لكنه لا يخرج عن حدّ الآحاد.

فالأحناف يجعلون هناك مرتبة بين المتواتر وبين الآحاد. عندما تقول حديث (مسلسل)، هذا الحديث قد يكون متواترًا وقد يكون آحادًا، هذا وصف وليس مرتبة من جهة عدد الرواة. ولكن الأحناف يقولون: إذا اشتهر الحديث أي كان مشتهرًا، أي كان في بدايته آحادًا ثم اشتهر رواته وكثروا فقد خرج عن حد الآحاد إلى الاشتهار. إذًا عند الأحناف ما هو الحديث المشهور؟ هو مرتبة من مراتب الرواة، تُخرجه عن حد الآحاد. هذا الحديث إذا كان صحيحًا وثبت به أمر من الأمور كان هذا الأمر عند الأحناف فرضًا، كما هو شأن الحكم الذي يُثبته الحديث المتواتر. فإذا ثبت في القرآن حكم فهذا عند الأحناف فرض، وإذا ثبت بحديث متواتر فهذا الحكم عند الأحناف فرض، وعندما يثبت حكم بحديث مشتهر فهذا فرض.

طيب عندما يثبت بحديث آحاد؟ يكون هذا واجبًا. إذًا الواجب عندهم مرتبة بين السنة وبين الفرض، ولكنه أقرب إلى الفرض. فالفرض والواجب قسمان، ليسا قسمًا واحدًا عند الأحناف، وهذا قول في مذهب أحمد ذكره ابن بدران الدمشقي في (المدخل إلى أصول مذهب الإمام أحمد) وذكره غيره، ويجدون أن الواجب يختلف عن الفرض في بعض كلامه.

شرح كتاب الموافقات للشاطبي · الصفحة ٧٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح كتاب الموافقات للشاطبيص ٧٨٣