فإذًا هما حالتان وليست حالة واحدة، من ترك المستحب جملة أو أن يجتمع أناس على ترك المستحب جملة.
"وَلِذَلِكَ يَسْتَحِقُّ أَهْلُ الْمِصْرِ الْقِتَالَ إِذَا تَرَكُوهُ":
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُقاتل على ترك الأذان، مع أنه مستحب لكنه صار واجبًا بالكل، على قاعدته.
"كَذَلِكَ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، مَنْ دَاوَمَ عَلَى تَرْكِهَا يُجَرَّحُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهَا مُضَادَّةً لِإِظْهَارِ شَعَائِرِ الدِّينِ، وَقَدْ تَوَعَّدَ الرَّسُولُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- من دوام عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ؛ فَهَمَّ أَنْ يُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، كَمَا كَانَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَا يُغِيرُ عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِلَّا أَغَارَ. وَالنِّكَاحُ لَا يَخْفَى مَا فيه مما هو مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ؛ مِنْ تَكْثِيرِ النَّسْلِ، وَإِبْقَاءِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَالتَّرْكُ لَهَا جُمْلَةً مُؤَثِّرٌ فِي أَوْضَاعِ الدِّينِ، إِذَا كَانَ دَائِمًا، أَمَّا إِذَا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ؛ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ، فَلَا مَحْظُورَ فِي التَّرْكِ.
المكروه بالجزء ممنوع بالكل
فَصْلٌ: إِذَا كَانَ الْفِعْلُ مَكْرُوهًا بِالْجُزْءِ كَانَ مَمْنُوعًا بِالْكُلِّ؛ كَاللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ بِغَيْرِ مُقَامَرَةٍ، وَسَمَاعِ الْغِنَاءِ الْمَكْرُوهِ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ مُدَاوَمَةٍ؛ لَمْ تَقْدَحْ فِي الْعَدَالَةِ، فَإِنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا؛ قَدَحَتْ فِي عَدَالَتِهِ":
الظاهر أن الشيخ يقول بأن اللعب بهذه مباح، بالرغم من أن النرد ورد فيه زجر (فكأنه غمس)، وبعض أهل العلم يرى الكراهة، وبعضهم يرى الجواز، وبعضهم يرى الحرمة، والشطرنج كذلك فيه هذا الخلاف. وسماع الغناء المكروه على ما تقدَّم.
"وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ الْغَزَّالِي، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ":
محمد بن عبد الحكم هو إمام مالكي من أهل مصر، وأحد كبار أئمة المالكية في مصر، وابنه لما جاء الشافعي مصر تتلمذ على يديه وصار شافعيًا، والشافعي لفراسته قال: أما أنت فتعود إلى مذهب أبيك، ولذلك عبد الله بن الحكم كان يرجو أن يكون هو الوارث لكرسي الشافعي في التدريس، والشافعي لما سُئل قال: أو تسألوني؟ وأشار إلى الربيع أن يكون بعده في الكرسي، لم يعطِه إلا إيَّاه، وغضب ابن محمد بن عبد الحكم ورجع إلى مذهب أبيه على ما تفرّس فيه الإمام -رحمه الله-.
القصد أن محمد بن عبد الحكم هو إمام المالكية في عصره في مصر، وكانت مصر مالكية قبل رحيل الشافعي إليها، ثم انتقلت إلى مذهبه وبقيت إلى يومنا هذا يغلب عليها مذهب الشافعية.