بعدم حاجته، لا يوجد أحد من الناس إلا وهو محتاج للعلم، إما جاهل يتعلم أو عالم يذكر، ولو كنت عالماً فإنك تتذكر.
لهذا القرآن كثير منه تكرار من جهة المعنى، ومنه تكرار من جهة اللفظ، فالتكرار من مقاصد الكتاب العزيز حتى يتذكر الإنسان ويعي؛ ولهذا القلوب تصدأ، والأذهان تصدأ أيضاً إذا لم تتذكر، وربما يطرأ عليه شيء من الران إذا بعد عن ذكر الله سبحانه وتعالى واكتفى بما لديه، كمثل هذه الطاولة إذا تركها الإنسان ليومين وثلاثة ولم يمر عليها شيء ينظفها ألا يجد عليها شيء من التراب أو الغبار أو نحو ذلك، نعم فهي بحاجة إلى أن تجلى ولو كانت جميلة وكانت متينة ونحو ذلك، كذلك أيضاً القلوب بحاجة إلى أن يأتي عليها شيء ولو كان معلوماً لديها من قبل؛ حتى تذكر، وحتى تطهر، وحتى تنقى وتصفو وتزكى بتكرار ذلك الحق عليها.
وهنا الثلاثة الذين جاءوا إلى مجلس النبي عليه الصلاة والسلام، منهم من وجد فرجة في الحلقة فجلس فيها، ومنهم من لم يجد ومع ذلك جلس خلفهم، أي أنه تواضع للحق ما تواضع لغير الحق الذي يقوله النبي عليه الصلاة والسلام، وفي جلسة الإنسان خلف أناس دون أن يكون معهم جالساً فيه نوع من التواضع للحق، والتواضع أيضاً للخلق، فلا يقول أنا لا ينقصني شيء لماذا لا أجد فرجة أو أجلس أمامهم أو نحو ذلك؟ لا، اجلس ولو كنت خلفهم؛ لأنك إنما تستمع للحق لا تستمع لغيره، ولا تخضع ولا تنحني لأحد من الخلق، وإنما تخضع للحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا الثالث الذي وجد في نفسه شيئاً في الجلوس منفرداً خلف الحلقة ولم يجد مجلساً جعله النبي صلى الله عليه وسلم جعله معرضاً؛ ولهذا يقول بعض العلماء بوجوب الجلوس في مجالس العلم ولو شيئاً يسيراً؛ حتى لا يوصف الإنسان بالإعراض، إذا دخلت مسجداً ووجدت أحداً من الناس يتحدث بموعظة أو تذكير أو محاضرة أو وجدت الإمام يحدث أو نحو ذلك، فعليك أن تجلس ولو شيئاً يسيراً حتى تخرج من صفة الإعراض، اجلس ولو كنت منشغلاً دقيقة دقيقتين حتى تستوعب شيئا ًمن العلم، ثم بعد ذلك لتخرج، وإن جلست المجلس تاماً فهذا هو الأولى والأكمل؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ألا أخبركم خبر النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله)، يعني: وجد فرجة، (وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه).
... باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (رب مبلغ أوعى من سامع)
قال رحمه الله: [باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (رب مبلغ أوعى من سامع).
حدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر، قال: حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه - أو بزمامه - قال: (أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: فأي شهر هذا؟ فسكتنا