تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هنا في قول المصنف رحمه الله: (باب قول المحدث: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا) هذه تسمى صيغ السماع، ومراده بالمحدث يعني حامل الحديث، وليس المراد بذلك هو المعنى الاصطلاحي عند أصحاب الحديث، وذلك أن مثل هذا الاصطلاح أصبح علماً على معنى من المعاني بوضع العلماء عليهم رحمة الله، ولكن المراد بذلك هو المعتني بعلم الحديث، قال: (باب قول المحدث: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا)، هذه صيغ السماع، والعلماء يختلفون هل صيغ السماع متشابهة أم هي متباينة؟ منهم من يقول: هي واحدة باعتبار أنها تفيد السماع، ومنهم من يقول: إنها مختلفة، لكن نقول: إن السماع من جهة الحقيقة يختلف، منه ما يسمع من المحدث مباشرة، ومنه ما يكون عرض على المحدث، أي: أن التلميذ يقرأ من كتاب الشيخ والشيخ يسمع والناس يكتبون، إذاً الشيخ لم يتكلم، كتب كتاباً ثم قرأه التلميذ، هذا يطرأ عليه شيء من الغفلة، أو الخطأ في قراءة التلميذ، أو ربما تجاوز سطراً أو أسقط شيئاً من ذلك أو كلمة، أو صحفها في حين غفلة فيكتب خلاف ذلك، وهذا يستعملونه غالباً في لفظ الإخبار.

والتحديث والسماع غالباً يكون بالسماع من فم الشيخ مباشرة لا بمجرد العرض، ومنهم من يساوي بين هذا وهذا، لكن نقول: إن ما كان سماعاً من الراوي مباشرة فهو يختلف، ما حُدث به الإنسان فرداً، وما حُدث به جماعة، فما حدث به منفرداً هذا أقوى؛ لأن السامع يرعى وينصت، ويطرق للمحدث، بخلاف لو كان الإنسان أمام جماعة، الآن أنتم أمامي جماعة وتسمعون الحديث لو كان واحداً منكم أمامي ولم يكن معه أحد من الحضور لكان أشد انتباهاً؛ لأن الخطاب ينصب إليه منفرداً؛ ولهذا إذا قال الراوي: حدثني وأخبرني وأنبأني هذا أقوى، إشارة إلى أنه كان وحده، أما إذا كان مع جماعة فهو يأتي بعد ذلك؛ فقول الراوي: إنه حدثني أقوى من حدثنا، وأخبرني أقوى من أخبرنا، وأنبأني أقوى من أنبأنا، وسمعت أقوى من سمعنا، باعتبار أن الخطاب توجه إليه، فالمحدث منتبه في ذلك، والمستمع كذلك أيضاً منتبه في هذا.

ويأتي بعد ألفاظ السماع ما يسمى بالعنعنة: وهو رواية الراوي عن شيخه بغير سماع، يقول: عن فلان، أو أن فلاناً قال، أو قال فلان مما لا يفيد سماعاً، والأصل فيه أنه محمول على السماع إلا إذا كان الراوي متهماً بالتدليس، فإذا كان متهماً بالتدليس فإن الحديث في ذلك يرد، وهنا نقل عن جماعة من العلماء الذين يرون أن صيغ السماع واحدة، كما نقل ذلك عن الحميدي.

ثم ذكر أيضاً استعمال هذه الصيغ وأصلها وتاريخها، وأنها موجودة حتى في كلام النبي عليه الصلاة والسلام كما ذكر هذا في حديث عبد الله بن عمر، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (فحدثوني)، يعني: أن هذه العبارة كانت تجري في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، كحال عبد الله بن مسعودفي قوله: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، وكذلك أيضاً لفظ سمعت قاله عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفظ الرواية جاء عن عبد الله

شرح كتاب العلم من صحيح البخاري · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح كتاب العلم من صحيح البخاريص ١٠