تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وينتهي بنهيه، لا بيعة وإنما إصلاحاً لأحوال الناس، وذلك كالانتظام بأنظمة المرور, والشرط, والعقود التجارية, وأحوال البلديات وغير ذلك؛ لأنه لا تستقيم أحوال الأمة إلا بهذا.

الثاني: لا يأتمر بأمره ولا نهيه إذا كان الأمر يرجع إلى خاصة نفسه، يعني: الحاكم، وذلك أنه يثبت بهذا الأمر منفرداً، وليس هذا لمصالح الناس، لهذا نقول: لا عقد بيعة بين الحاكم والمحكوم أصلاً، وأما انضباطه في ذلك فهو لصالح الناس، فلهذا يسأل كثير من المسلمين الذين يعيشون في بلدان الحكام فيها كفار أصليون؛ مثلاً بلدان أوروبا وغير ذلك يوجد فيها أقليات, مئات الآلاف فيها، هؤلاء ليس في عنقهم بيعة للحكام؛ لأن من يتولى هذه البلدان ليسوا من أهل الإسلام، ولا نجيز مثلاً لأمثالهم لقلة عددهم أن تقوم أقلية مائة ألف مائتين ألف في قتال حاكم في بلد فيه خمسين مليون أو ستين مليون، ألا تستأصل شوكتهم ويزالون؟ يزالون ويبقى الحاكم على ما هو عليه، ولهذا يقال المفسدة في ذلك ظاهرة، وأما بالنسبة لانتظامهم بما يصلح أحوال الناس فإنه يجب عليهم أن ينتظموا بذلك، وليس في عنقهم له بيعة، بل لا يجوز مبايعة الحاكم إذا كان كافراً.

يقول هنا: ولا نرى الخروج على الأئمة، ذكر الأئمة, أي: الأئمة السابقين، في قوله هنا: مع أئمة المسلمين، يعني: مع الأئمة من المسلمين، فلا يخرج عليهم، فقيدهم هنا بالإسلام، ويظهر الإسلام، بإقامة شريعة الإسلام، شريعة الإسلام بتحليل الحلال الذي أحله الله وتحريم الحرام الذي حرمه الله، ومن شرَّع شيئاً فحرم الحلال وأحل الحرام القطعي فهذا جعل نفسه نداً من دون الله، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:64]، المراد بهذا تعالوا يا أهل الكتاب إلينا أن لا نجعل واحداً منا يملك التشريع، وإنما يملكه الله سبحانه وتعالى، ولهذا جعل الله عز وجل التشريع إليه.

وينبغي أن أنبه إلى مسألة تتعلق بجانب التشريع والحكم، أنه ينبغي أن ننتبه إلى صورتين:

الصورة الأولى: -ويخلط فيها الطوائف في هذا- صورة التشريع وهو سن القوانين، هذا تشريع، ما قضى الله عز وجل فيه فهو إلى الله، وما تركه الله عز وجل وأذن للناس أن يشرعوا لأنفسهم ما يشاءون، من أحوال ونظم, من نظم الحياة, والبلديات, والصحة، والوظائف، وتقسيم المدن، والمحافظات، والمدارس، وسلالم التدريس، وسلالم ومراتب الطلاب وغير ذلك, والرواتب, وغير هذا من نظام الحياة، هذا مرده إلى أحوال الناس، يجتمعون عليه ويضعون ما يشاءون ما لم يخالف في ذلك أصلاً مستقراً في الشريعة، وإذا قضى الله عز وجل في شيء أمراً، ليس للإنسان حاكماً أو محكوماً أن يتناوله بتشريع فما حرم الله هو الحرام, فإذا أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله فقد وقع في التشريع من دون الله، وهذا الذي وصف الله عز وجل به

شرح عقيدة أبي حاتم وأبي زرعة · الصفحة ٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح عقيدة أبي حاتم وأبي زرعةص ٥٧