عيناً على دخول ذلك النار؟ لا, لكن دل الدليل وصفاً على أن مانع الزكاة يدخل النار, وما دل عيناً أنه يدخل كل عين, ولكن هذه الآثام هي آثام تنقص الإنسان وربما تتسبب بغيرها لدخول الإنسان النار لا بذاتها, ولهذا نفرق بين ما دل الدليل عليه وصفاً وما بين ما دل الدليل عليه عيناً في دخول النار وبين ما دل الدليل عليه إثماً لا سبباً في دخول النار, ولهذا العلماء يجعلون الكبائر المقترنة بدليل يثبت دخول صاحبها النار أو اللعن وهو الطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى أو أقام الله عز وجل عليها الحد في الدنيا, فإن هذا من أمارات وقرائن الكبيرة, فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يشهد للعشرة المبشرين بالجنة فقط, بل شهد لغيرهم, ولكن هؤلاء أفضلهم, شهد النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، وشهد النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة، وشهد النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة، وشهد للحسن، وللحسين، ولبلال، ولأسامة ولعمار ولعكاشة بن محصنوغيرهم, فنشهد لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأعلى هؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة.
قال: والترحم على جميع أصحاب محمد والكف عما شجر بينهم.
الترحم والترضي عليهم وصفاً, والترحم والترضي عليهم عيناً, نترحم ونترضى عليهم بالوصف, نقول: الصحابة رضي الله عنهم, وعيناً عند ذكر الواحد منهم, رضي الله عن فلان ورحمه, فنقول بالترضي لذكر الله عز وجل له, رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة:119] , والصحابة: هم من مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض, وإنما قلنا ذلك لثبوت أقوام كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم استحقوا وصف الصحبة لغة وظهر عدم رضا النبي صلى الله عليه وسلم عنهم؛ كعبد الله بن أبي، ففيه صحبة لغوية, ولكن دل الدليل على عدم رضاه عنه, ومن في حكمه مما دل عليه الدليل, وهذا الاستثناء لا يخرج الأصل ولا يلغيه؛ وذلك لقلة المنافقين, وقلة من مات النبي صلى الله عليه وسلم عنهم وهو ليس براض عنهم, وقد جاء في مسلم من حديث عمار قال: قال لي حذيفة بن اليمان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (في أصحابي اثنا عشر منافقاً, ثمانية منهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) , هذا عدد قليل بالنسبة لعدد الصحابة, ثم هم أيضاً مغمورون ليسوا بمعروفين, وأمرهم مكتوم, وليسوا بنقلة رواية؛ لأنهم لا يحبون الناقل فكيف يأتون بالمنقول؟ وهذا من حفظ الله للشريعة, فلا يحبون محمداً فكيف ينقلون وحيه إلى الغير؟ ثم أيضاً أن من الصحابة من جعله النبي صلى الله عليه وسلم رقيباً عليهم؛ كحذيفة عليه رضوان الله, فيعرف أحوالهم وتصدرهم في ذلك, ولهذا في قوله في هؤلاء الأربعة, قال: ماتوا ولم يبق منهم إلا واحد إذا شرب الماء لم يجد برده في بطنه, وذلك لشدة كبره, يعني: من ذهب منهم ومن كان باقياً على ما هو عليه, الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كانوا في وجه النفاق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجود المنخرط في صفهم كحال عبد الله بن أبي وغيره, لا يخرج الأصل لوفرتهم, ولهذا قد ذكر أبو زرعة وغيره أن الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجه أكثر من مائة ألف, وأما المنافقون فاختلف في عددهم,