لديهم أيضاً إذا كان الجبر الشرك والوثنية هل الله يجبر الإنسان على أن يعبد الصنم؟ كيف يكون هذا؟ قالوا: بلوازم ذلك, سواء من الاتحادية والحلولية قالوا: أصلاً لا يوجد خالق ولا مخلوق, لا يوجد في هذا الكون إلا الله, ولكن تتحول هذه الأشياء من مادة إلى مادة, فجروا على هذه البدعة والتزموا بجملة من لوازمها.
أهل السنة في ذلك ومذهب السلف الصالح في هذا أنهم يثبتون القدر, ويثبتون المشيئة للإنسان, الأشاعرة في هذا الباب كانوا على موقف بين أهل السنة وبين المعتزلة, أرادوا أن يبتعدوا عن وصف الإنسان بأن يخلق فعله وعن وصف الله عز وجل أنه لم يقدر, قالوا: الله عز وجل هو الذي يخلق فعل الإنسان, وللإنسان كسب, وأن الله سبحانه وتعالى لم يجعل الأسباب محدثة لآثارها, قالوا: فإن النار لا تحرق, ولكن هذا انتظام يجعله الله عز وجل منفرداً, أن الأكل لا يشبع, فالأكل شيء والشبع شيء, هذا ليس سبباً لذاك, فألغوا هذا الأمر, كذلك أيضاً الإنسان إذا رمى بسهم ورصاصة، قالوا: القتل منفك عن الرصاصة, الرصاصة شيء, فخلق الله القتل مستقلاً عن الرصاصة وذلك لعلل؛ قالوا: لأنه يمكن أن يموت الإنسان بلا رصاصة, ويمكن أن يرمى برصاصة ولا يموت.
يرد عليهم أهل السنة بقول: هذا قصور في الأسباب, لأن الرصاصة لم تضرب موضعاً يموت فيه, فإذا اكتملت الأسباب لا بد أن يتحقق؛ لأن هذا مقتضى إحكام الله لخلقه, فربط الله عز وجل تقدير ذلك, ولكن هؤلاء لم يقولوا إن الإنسان يخلق فعله, ولم يقولوا أيضاً أن لا قدر, فأثبتوا القدر.
ولهذا العلماء حينما نظروا إلى هذه المسألة في مسألة كسب الأشعري في باب القدر جعلوها من المسائل المحيرة التي لا معنى لها من جهة النظر الدقيق ولا من جهة الدليل والتعليل فيه, فيجعلون أن الله يخلق الشبع منفكاً عن الأكل, وإنما هو انتظام, وذلك كحال جملة من الأحوال التي تحدث ولا تلازم بينها, وقالوا: ولكن الله عز وجل يجعل الأشياء مطردة, ومنها ما اطراده قليل, ومنها ما اطراده في ذلك يسير, وهذا أيضاً في هذه المسألة أرادوا أن يتوسطوا في ذلك, والأشاعرة أرادوا أن يجمعوا بين الطريقتين: بين طريقة أهل السنة والأثر والحديث وبين طريقة المعتزلة, ومعلوم أن أبا الحسن الأشعري كان على طريقة أهل الاعتزال ثم ترك ذلك وسلك منهج أهل الحديث ولكنه نقض الفروع وما نقض الأصول, تراجع بنقض الفروع ولم ينقض في ذلك الأصول, ولهذا بنى الأشاعرة من بعده على أصوله معاني تخالف فروعه, فجرى على هذا من أخذ بقوله؛ سواء الباقلاني وكذلك أيضاً ابن فورك وأبو إسحاق الإسفرايينيوكذلك أيضاً أبو إسماعيل الإسفراييني، وجرى على هذا أيضاً أئمة الأشاعرة ممن بعدهم؛ كإمام الحرمين الجويني، وكأبي حامد الغزالي وغيرهم من أئمة الأشاعرة, جروا على تقرير هذا المعنى على خلاف ما يريده, ولهذا نقول: إن الإنسان إذا أراد أن يتراجع عن فرع لا بد أن ينظر في أصله؛ حتى لا يولد عليه بمعنى خاطئ.