تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وثمة أيضاً أمر آخر من جهة معرفة تعدد المخارج: أن يسبر طالب العلم شيوخ التابعين الذين أرسلوا، يسبر المخارج، ينظر في الحسن البصري، هل يلتقي مثلاً مع ابن سيرين، ويلتقي مع الشعبي، أو يلتقي مثلاً في بعض الذين يرسلون بالمدينة في الزهري، أو مثلاً سليمان بن يسار وغيرهم، هل يلتقون بشيوخ ضعفاء أو لا يلتقون؟ وكلما كان طالب العلم في ذلك أكثر سبراً للشيوخ والطبقات، فإنه حينئذٍ يكون أعرف بصحة المرسل من عدمه، ولهذا الأئمة يتابعون ويتتبعون مخارج المراسيل، ولهذا يقول بعضهم في مراسيل الحسن البصري: تتبعت مراسيل الحسن البصري فوجدتها صحيحة إلا أربعة، يعني: لها أصول صحيحة إلا أربعة، وهذا إشارة إلى أنه يتتبع ويجد ما يعضده من المخارج. الأمر الثالث مما يعرف به قوة المرسل من عدمه: أن يكون المرسل أقرب إلى مواضع الوحي من الحجاز كمكة والمدينة، فمراسيل المدنيين أقوى من مراسيل غيرهم من العراقيين والشاميين واليمانيين والمصريين؛ لأن المدنيين لا يأخذون إلا من شيوخ المدينة غالباً؛ لأن المدرسة عندهم، فالأحاديث التي تدور في البلدان خرجت من عندهم، فهم يأخذون منها، حتى أورث بعض الرواة نوعاً من الأنفة أن المدني لا يأخذ من البعيد؛ لدخول العجمة عند الأبعدين، عجمة اللسان، كذلك ضعف الرواية والتدليس والابتداع، الذي انتشر في الناس، فأصبحت المدينة هي أكثر المدن أو بقاع معاقل العلم نقاوة وصفاء من جهة الصدق والكذب، ومن جهة البدعة، فإنهم أصدق الناس وأكثرهم اتباعاً للسنة وأبعدهم عن العجمة، ولهذا نقول: إن البلدان التي تأخرت فيها العجمة أفضل من غيرها وأدق، كذلك أيضاً فإن شيوخهم في ذلك لو سقطوا فإنهم أولى من غيرهم.

شرح المنظومة البيقونية · الصفحة ٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح المنظومة البيقونيةص ٨٥