تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد قضت حكمة الله أن يجعل هذه الدنيا دار ابتلاء واختبار للناس، يذوق فيها بعضهم بأس بعض، وفى هذا الاحتكاك الواقع بينهم، تظهر أحوالهم وتنكشف أمورهم، وتعرف معادنهم، ولولا ذلك لكانوا شيئا واحدا ..

لا مؤمن ولا كافر، ولا طيب ولا خبيث، ولا محسن ولا مسيىء وقوله تعالى: «ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» هو من مقتضيات هذه الحكمة التي كان من آثارها هذا الاحتكاك الذي يدور بين المسلمين والكافرين، والذي ابتلى فيه المؤمنون بما أصيبوا فى أنفسهم وأهليهم .. فليس الإسلام هو كلمة يقولها الإنسان ليكون مسلما، وإنما هو كلمة وراءها عمل، ووراء العمل تبعات كثيرة، وأعباء ثقال، ولولا ذلك لكان مدخل الإيمان سهلا، لا ثمن له، يستوى فيه من يعمل ومن لا يعمل .. بل إنه لا يجد أحد ما يدفعه إلى العمل وبذل الجهد، إذ كان الأمر على تلك الصفة.

وفى قوله تعالى: «عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ» التفات للمؤمنين واستحضار لهم، ليكونوا فى مواجهة هذا الحكم، وليؤخذ إقرارهم به، وما عليه المؤمنون هو العافية التي كانوا فيها قبل أن يبتلوا بلقاء الكافرين وجهادهم.

وقوله تعالى: «حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» أي حتى يقع هذا الصدام بين المؤمنين والكافرين، وحتى تنكشف أحوالهم، ويعرف الصابرون وغير الصابرين، ومن كان إيمانهم بالله خالصا صادقا، ومن كان إيمانهم على نفاق ودخل .. وعلم الله سبحانه- علم شامل، محيط بما وقع وما لم يقع، فى جميع صوره وأحواله .. وعلمه هنا، الذي يميز به الخبيث من الطيب ليس علما مستحدثا، وإنما هو علم قديم يندرج تحته هذا الحال الذي يكون عليه المؤمنون وهم فى هذا الامتحان الذي يؤدونه بين يدى الله ..

وعلى هذا ينبغى أن يفسّر ويفهم ما ورد فى القرآن من علم الله الذي يبدو وكأنه معلق بوقوع الأحداث .. مثل قوله تعالى: «وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا» (65 - 66: آل عمران) ومثل قوله سبحانه: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ» (142: آل عمران) .. ونحو هذا ..

فعلم الله محيط بكل شىء. وكل ما هو فى علم واقع تحت هذا العلم، فى جميع أحواله المتلبس بها .. فالله سبحانه يعلم أزلا أن هذا الإنسان- مثلا- سيولد من أبوين، هما فلان وفلان .. فى بلد كذا، فى زمن كذا .. وقبل أن يولد هذا الإنسان هو فى علم الله، وبعد أن ولد هو فى علم الله .. ولكن علم الله به قبل أن تحمل به أمه، وقبل أن يولد فى المكان والزمان الواقعين فى علم الله- يكون المعلوم فيه على صور خاصة وصفات خاصة، فإذا ولد، كان المعلوم فى علم الله على صورة غير الصورة السابقة، وعلى صفات غير تلك الصفات التي كان عليها قبل أن يولد! .. وهكذا تتغير ذوات المعلومات وصفاتها، وعلم الله محيط بها فى جميع أشكالها وأحوالها، فلا يتغيّر ولا يتبدّل.

رسائلي المفتوحة حول للجهاد والمجاهدين · الصفحة ٦٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائلي المفتوحة حول للجهاد والمجاهدينص ٦٦٤