خشوع ملموس.. وفيما كان المرتل يتلو قوله تعالى (كلا إذا دكت الأرض دكا دكا).. فلتت من صنغور تنهدة مؤثرة أرسلت بها أعماق بريئة.
ودخل شخص لم تكن سحنته غريبة عني، وقمنا للسلام عليه، وسمعتهم يعرفوننا به إنه ابن الشيخ صنغور، الملامح واحدة لولا تعمق خفيف في سمرة الشيخ، سأعرف في تلك الجلسة سر هذه الصبغة القمحية التي تتميز بها سحنة صنغور، كان في تلك الليلة حاضرا في الماركت وبرزانة ملفتة راح يقترح علي لون البذلة، بل راح يأمرني، وها هو ذا بأمر والده جلس في مواجهة الحلقة يرتل..(عطاء حسابا.. يوم ينظر المرء ما قدمت يداه). صوت تلاوة مشرقية على قواعد مضبوطة ونبرة رجولية مكتملة السَّمْتِ. علمتُ أنه درس بالحجاز، حين يتحدث لا تشك لحظة في أنك أمام عربي قح، سيتولى ترجمة حديث الشيخ في مجلسنا ذاك. قال الشيخ صنغور سألني ذات مرة الأستاذ النورسي ما نسبك؟ قلت أما من جهة الأم فمن آسيا الوسطى وأما من جهة الأب فمن الحجاز.
وهززت رأسي كأنني وجدت جواب ما كان يخامرني أحيانا من ظن حول نسب الشيخ صنغور. ثم راح الشيخ يبين جلية ذلك، قال إننا ننحدر من صلب شخص عربي هاجر من مكة إلى تركيا واسمه ابن عبد السلام، قال وحج جدي الأدنى ذات عام وتعطل عن الحج، ولقيه عربي من أهل مكة وتَفَرَّسَهُ وسأله أنت من أبناء عبد السلام؟ قال جدي نعم، لكن أخبرني كيف عرفت ذلك؟ قال من سيما وجهك، فأنت تحمل خطوط عبد السلام، وعبد السلام هذا هاجر في زمن كذا إلى تركيا، وأنت تقول إنك من تركيا، فلا تكون إذن إلا من ذريته.
الفراسة كانت علم العرب الأصلاء، وحين زالت عنهم أصالتهم الأولى وتهجنوا في الفكر والروح فقدوا ما كانوا يختصون به من سجايا الفطرة ولم يستعيضوا عنها بشيء، وليس في وسعهم أن يختصوا بشيء ذي بال ما هجروا القرآن واستهانوا بنظمه الإنسانية والحضارية.