كان صنغور قد داعب فريدا حين قمنا للصلاة قائلا، أوصيك أن تقرأ في الركعة الأولى البقرة وفي الثانية آل عمران.. كان فريد حقا يذهل عن نفسه ويسترسل في القراءة، والشيخ صنغور حين يوصيه بهذا التلطف النوري إنما يريده أن يسير بنا في العبادة على قدر ضعفائنا، ولاحظت أن صنغور لم يغادر موقعه، ثم تبينت أنه كان يستند في قيامه وقعوده على طرف الأريكة. وعند صلاة النافلة جيء له بكرسي فأدى السنة جالسا. وفرغنا من الدعاء ومن الورد الذي يختمون به كل صلاة، وتحررنا في المجلس، ورأيت الشيخ يحادث طالبا همسا، ثم رأيته يمسه على خده براحته اليسرى مسا خفيفا متواليا كأنما يصفعه، ذلك مؤشر قلبي على المحبة الراسخة الخالية من الانفعال ومن الغشم والرعونة، لقد كان واضحا أن تلك الحركات التلقائية الأبوية كانت تحمل توجيها تسديديا يعرف معناه هؤلاء الطلاب الذين يضمهم هذا الصقر النوري الهرم بحب قرآني عظيم. ونظرت إلى هيئة الشيخ، لم يتغير منه شيء، قميصه الزعفراني غير مزرر الذراع، هل يدل ذلك إلا على عدم الاهتمام بالشكل في زمن أضحى الشكل هو المرآة التي يحرص أهل الدنيا على أن يبدو فيها بكامل الزينة والفخفخة والاعتناء. وتعرفنا على هذا النوري الكهل، ملا خليل، هو من بلدة رأس العين، قيل لنا إنها على الحدود السورية، نصف سكانها عرب ونصفهم أتراك. ووجدتني أوصي الطلاب بحفظ القرآن في الصدور، كنت أومن أن النوريين هم الفئة الصالحة التي ستقوم جسرا يلحم بين الأقوام والجنسيات التي تتشكل منها أمتنا الإسلامية، وأن القرآن هو وسيلة امتلاك العربية، فالعربية بما هي لسان محمد ( فإنها مؤهلة مستقبلا مثلما كانت مؤهلة ماضيا لأن توحد المسلمين وتقرب بينهم. قال صنغور نحن نعرف الحقائق وأنتم تحفظون الأصول (أو كما قال). قلت بل نريدكم بما تبدون من همة ثابتة أن تجمعوا بين الفضلين. وتهيأ جودت في صدارة الحلقة، بحيث واجه الشيخَ في مجلسه وراح يقرأ رسالة
رسائل عن النورسية · الصفحة ٨٨٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
رسائل عن النورسيةص ٨٨٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي