وراح الإمام يسوي أرديته المثقلة بالحلية فترن أساورة الذهب في يديه، إحساس بالترقب ملأ القلوب. كل يود لو أنه فرغ من صلاته وغادر المكان. كل أقَرَّ في أعماقه أنه لم يعد سويا.. أي شيء تبدل فجأة وحوَّلنا من حال إلى حال؟ أية دنيا هذه التي أقَلَّتْنَا إليها هذه اللحظة العارضة من الزمن في غفلة منا؟ وجاء صوت الإمام يدعو إلى رص الصفوف.. واعتلت نبرته تؤكد أن من الإيمان تسوية الصفوف.. وارتعشت الأجساد كأنما تلقَتْ فجأة رَشََّ ماء مُثَلَّجٍ.. لم تعد الآذان تسمع إلا رنينا انبعث من ذلك الصدر ذي النبرة الفريدة..وجه صنغور ازداد احتقانا واستولت عليه بغتة نوبة من شهيق أحسست أنه يقاومها بكل جهد. حين اختلسْتُ ناحيتَه النظرَ رأيت سَيْحًا من الدمع يُغَشِّي وجنتية ويبلل شاربيه ويتقاطر إلى الأرض بحس مسموع.. تلا الإمام الفاتحة بصوت رعدي فازداد أَسَانَا، وتَمَلَّكَتْنَا رغبةٌ في قطع الصلاة، لكننا تمالكنا فقد كان لجو الخشوع سلطان لا قبل للنفس بمقاومته. ومر الإمام يقرأ سورة الفتح بحلق ندي ازدادت جرسيته ، ومضينا نتساءل كيف يقرأ بالجهر لصلاة العصر؟ أي سهو رَكِبَهُ؟ كانت الآيات تتكوم علينا كأنها أنْدَافُ الثلج، وكان الإمام حين يركع أو يسجد تزداد رنات أسورته، في السجدة الثانية شعرنا كأننا ننحني للقنوت، وازداد الضغط علينا بما كان يتناثر فوق رؤوسنا من ريش، هل كانت تلك الأصوات التي تراسلت من حولي غطيطا تَحوَّلَ بالجموع إلى مجرد كتلة واهنة لم تَعُدْ لها قدرةٌ على إحساس بالوجود؟. هل طالت السِّنَةُ التي أخذتنا؟ كم مضى علينا في تلك الحال؟ هل حقا أدينا صلاتنا أو كان الأمر مجرد هجود؟ وتشهَّدَ الإمام وسلم ثم ارتد إلينا يقرأ الورد، وتحرك صنغور وحبا على ركبتيه، يرفع كفيه مع الرافعين، حين بلغ إلى مجلس الإمام انفجر نائحا وألقى بوجهه على ركبة الإمام، كان الإمام حاسر الرأس، قد تدحرجت عمامته الموشاة بالدنانير إلى وراء،
رسائل عن النورسية · الصفحة ٨٧٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
رسائل عن النورسيةص ٨٧٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي