تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مثل القالب لا يمكن أن نحوله عن شكله فَتِيلاً. سأشد على يده ونحن نغادر الغرفة، وسيعرض علي صفحة وجهه بذات الصمت وذات الإقبال وذات الانشغال القلبي، وسيترك ذلك في نفسي أثرا لا يمحى، بعد ساعة من ذلك الحين سأدخل الماركت للغرض المعلوم ، وسيقابلنا فيه أكثر من وجه، وسينهض أحدهم من مكتبه القائم بأحد أركان الجناح الخاص، وسأسأله أين رأيتك؟ وسيبادر قاسم فيقول: هذا ابن الرجل الذي لفتك في المدرسة، ومرة أخرى وجدت نفسي أشد على يد الابن بالحرارة التي شددت بها على يد الأب. أمثال ذلك الوجه الذي يرابط في بيوت القرآن أحمل له في نفسي قدسية ترسخت لديي منذ الطفولة، أذكر أنه كان يجلس معنا ونحن أطفال رجال لهم أهل وأبناء، لكنهم لازموا إلى الكتاب يحفظون آيات الله. كنا نجلهم ونعجب من انهماكهم في الحفظ ومن التفاني في التأدب مع شيخ الجامع.لا يزال المدرس الذي سلكت القرآن على يده يعيش، لكنه منذ أزيد من عشرية يعاني معضلات جسدية ونفسية، ولا زلت أزداد يقينا من الباري جل وعلا يبتلي من عباده أولي حظوة فينزلهم منزلة يرفع بها عنهم القلم. عاش شيخي يتعهد القرآن ويلازم بيوت الله ويقرأ راتب الحزب، وجرى على ذلك المنوال حتى بعد أن ابتلاه الله. إذ تستغرقه أغلب الوقت قراءة القرآن.. ورحت أسأل عن عدد طلاب المدرسة، وناديت طفلا كان مغمورا في المجلس، وعلمت أنه ملازم للمدرسة بمعية أبيه، ولاح من هناك وجه الأب يداري بسمة رضى وطمأنية، وقلت في صمتي أي رب أية مكانة تخص بها من فر إليك وحمل صغيره في زمن استعرت نيران عشق الحياة في الصدور؟ أي رب نحن نستعجل الإمام إذا ما أطال بنا ركعة الصلاة، لِمَا نشعره من هدر للوقت وتفويت لفرص الدنيا، فما بال يا رب من ينفض يديه كلية ويقبل على بابك يرابط وبين يديه طفله؟ الاعتقاد فيك وفي عليائك ينبئني أنك تجعل منه مفتاحا يحل كل قفل، فأنا أتوسل إليك يا رب بفضل هؤلاء المرابطين أن تغسل قلبي من حب الدنيا،

رسائل عن النورسية · الصفحة ٨٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٨٧٦