تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأثناء صورة قاسم، إذ خيل لي أني أراه يمتطي حصانا أبيض، قد امسك ببندقية ومن حوله عازفون يضربون طبولهم ويرسلون ألحان مزاميرهم، والحصان يرفل في البهجة، يتطاول على حافة حافر واحد، وينتهي برأسه إلى عنان السماء، فيما يلقي قاسم بالبندقية إلى أعلى وحين يمسك بها يسدد ويطلق أكثر من طلقة وسط لهيب عارم من الزغاريد. أية نشوة هذه وأية ملحمة تنطوي عليها صفحات الرسائل ومخزوناتها العجيبة؟ والتفت تارة أخرى أتأكد أن هناك رجلا يجاورني أبوه صنع كل ما كان النص يحمله من عنفوان، ومرة أخرى استوقفني بياض شاربيه. هكذا الحياة تَحُولُ، تتغير، لكن الحقائق ثابتة لا تحول. هل تغيرت العقيدة التي نافح عنها أبوه المحامي؟ كلا إنها ثابتة لأنها ليست من اجتهاد البشر، هي من صميم القرآن، وكان النورسي مجرد دلال في متجر، يهتف في الناس بمجوهرات القرآن. هل استقرت إيديولوجيات صارعها النورسي وأنشئت لها الأكاديميات ترسخ علمية فرضياتها وتنشرها بين الناس بغية نسخ حقائق الدين (أفيون الشعوب)؟ أي المعطيين أثبت التاريخُ أنه كان الأفيون؟ أدين الله الراسخ الذي ما زالت المدنيات منذ 15 قرنا تزدهي به . فعلى الرغم من ازدراء التقليعات الشيطانية الطارئة وانتهاك النجاحات المادية السريعة، إلا أن الدين ظل شامخاً يفعل ولا ينفعل، يقهر ولا ينقهر. فيما ظلت تلك العوارض بمثابة خلفة الربيع، تزدهر وتهيج وتستغلظ لكنها لا تلبث أن تصفر وتغدو غثاء تذروه الرياح. كانت الماركسية تريد أن ترغم أنف النورسي بحججها التي شملت حتى قضية العرض، ألم تتحرش بفطرة المرأة التركية وتزين لها العري بدعوى أن العري خطوة حاسمة في طريق التقدم، فأين هو مصير الماركسية اليوم؟ وما بال فقهها المتعالم خرس وألقى به الأفاكون أنفسهم إلى سلة المهملات؟ لكن تعاليم القرآن تجددت، ونفضت عنها جهود الصادقين ما علق بها من غبار الزيغ، وها هي تزدهي وتطلب المنازلة الكريمة مع أي فكر وأي

رسائل عن النورسية · الصفحة ٨٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٨٧٤