تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قولوا يا أيها العارفون أي مقام هذا الذي يشملنا ونحن في رحاب مدرسة نورية تنطوي عليها في حب بعض حارات اسطنبول؟ تالله إن هذا لمظهر وَقَارٍ وحياء وتأدبٍ وامحاءٍ أمام قداسة القرآن لا يقِفُهُ إلا الأوَّابون. الجماعة روح في فرد والأفراد قوة تتقمص حركة أعضاء الجسد الواحد. مثل المؤمنين في توادهم وتحابهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. حق هذا يا رسول الله (، وذي شواهد حية تظهر في جمع النوريين. وهربت مما كان مقام الوجد يزرعه في نفسي من أحوال قاسية ومكلِّفة ولا تحتملها طويلا المشاعر غير المروضة، ورحت أعاين الفضاء. كانت القاعة تمتد على شكل L. مؤثثة بعناية، مفروشة بذوق، الحيطان مكسوة باللوحات المناسبة، آيات بخط رشيق، وبرزت خصلة من ريش النعام وضعت في باقة توسطت الجدار الرئيس، وهنا وهناك قامت خزائن لكتب الرسائل بلونها الشروقي، ودأبت الساعة الجدارية بكل حذر تحسب الزمن، الزمن عند هؤلاء الأوابين مرعي بصورة آلية منضبطة، لكنهم يعيشونه على الصعيد الروحي سرمديا لا محطات له ولا ضفاف. أليست هذه هي السعادة؟ وبأي شيء تقهرنا الحياة إذا لم تقهرنا بسيف الزمن؟. الساعة الآن الواحدة إلا عشرا، ما زال صوت فريد يجلجل، وأخذت صنغور هو أيضا نشوة روحية خفية، ها هو يوقع الأرضية بأصابع رجليه الصغيرتين، العامرتين. أي ذكرى حملتها إليه وقائع هذا النص الناري الذي استظهرته من أرشيف الزمن؟ ترى هل هي ارتعاشة انتشاء أم تراه يؤكد المعاني التي تصله من فم فريد، ويشدد عليها على ذلك النحو المتحامل، كأنما لا يريد أن يعطي الانطباع بأن التأثر بلغ مبلغه. أم تراه يقرأ على ذلك النحو النص بجوارحه؟ كان قاسم الذي جلس إلى جواره قد ارتحل بالفعل عنا، أخذته غفوة عذبة من العشق والانفعال فجنَّح بعيدا على طريقة العقبان حين تتغازل مع نسائم القمم الشاهقة المكسوة بالثلج. ولا أدري كيف تداعت إلى ذهني في تلك

رسائل عن النورسية · الصفحة ٨٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٨٧٣