تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكشف لنا النورسي على نحو فريد أن نور الإيمان يضئ حركة المؤمن التعبدية على تعدد أوجهها واختلاف غاياتها، بدءاً من حركته الذاتية، ووجوده، وانتهاء بمصيره الحتمي في شمولية تستوعب الحركة كلها، وهو كعادته ينطلق من النسبة الاختيارية التي يستند فيها المكلَّف على الله، ليبنى عليها ومن خلالها تأثير نور الإيمان على الإنسان وعلى حركة الإنسان معاً.

يقرر النورسي بادئ ذي بدء أن الإنسان وعلى رغم من أنه "قد خلق مظهراً لجميع تجليات أسمائه –تعالى- وجعله مداراً لجميع نقوشه البديعة، وصيره مثالاً مصغراً وأنموذجاً للكائنات بأسرها" (1) إلا أن نور الإيمان إذا استقر في قلبه كشف ذلك النور وعلى الفور "جميع ما على الإنسان من نقوش حكيمة فيقرأها المؤمن بتفكر، ويشعر بها في نفسه شعوراً كاملاً، ويجعل الآخرين يطالعونها ويتأملونها، أي كأنه يقول: هنا أنا ذا مصنوع الصانع الجليل ومخلوقه، أنظر كيف تتجلى في رحمته وكرمه" (2).

والصنعة هنا ليست إلاّ صنعة المخلوق الذي يكشف نور الإيمان عن معدن الحقيقي. فكأن نور الإيمان يكشف عن المعاني السامية التي هو بها إنسان، فيتفاضل بها عن غيره، وفي الوقت نفسه يتجاوز تلك الشركة القهرية مع غيره من المخلوقات، مترقياً في مدارج الشرف حتى يصل المقام الرفيع الذي أُعد له.

لأجل هذا قال النورسي: "إن الإيمان إذا دخل القلب يصير الإنسان جوهراً لائقاً للأبدية، وبالكفر يصير خزفاً فانياً، إذ الإيمان يرى تحت القشر الفاني لباً لطيفاً، ويرى ما يتوهم حباباً مشمساً زائلاً ألماساً منوراً. والكفر يرى القشر لباً فيتصلب فيه فقط، فتنزل درجة الإنسان من الألماس إلى الزجاجة، بل إلى الحباب" (3)

(1) - الكلمات - النورسي ص 349.

(2) - الكلمات - النورسي ص 349.

(3) - المثنوي العربي النوري –النورسي ص 1988 ص 158.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٥٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٥٨٥