ومهما بلغ الإنسان في مراتب الكمال نوعاً أو وظيفة، ومهما نال من الشرف والفضيلة على غيره.فلا تتضح حقيقته إلا إذا انتسب إلى الله، تلك النسبة التي يشرق عليه بمقتضاها نور الإيمان. عندئذ ينكشف معدنه الحقيقي، ويظهر ما كان محجوباً عنه تحت ظلمات ذاته المجردة. فتتلألأ في داخله المعاني القلبية الرفيعة التي فيها التعبير البليغ عن جوهر وجوده.
وجوهر وجوده في منظور الرؤية الإيمانية هو أنه "مرآة لوجود غير محدود. وهو وسيلة للظفر بأنواع غير محدودة من الوجود، وذلك لأن وجوده ليس إلا أثراً من آثار واجب الوجود، وصنعة من صنعته وإبداعه، تجعله يرتبط بروابط الأخوة الوثيقة مع جميع الموجودات، لا سيما ذوي الحياة" (1).
غير أن الإيمان قد ترقى بوجود الإنسان من تلك العمومية إلى منزلة المخلوق المتلقي عن الله، الفاهم لخطابه تعالى، أي إلى منزلة المكلَّف، ليؤدي واجباً قد حدد له في دار هي دار الامتحان، ولينظر ويشاهد غرائب وعجائب معجزات القدرة الإلهية في الكون، ثم بعد ذلك سيرد مكلَّفه إلى عالم المكافأة والجوائز، حيث يكافئه بمقدار ما فهم ووعى في الأرض من مطالعاته في الكون، ومن قيامه بواجبه المطلوب (2).
ومما لا شك فيه: أن الكشف عن حقيقة وجود الإنسان وغايته لهي البداية الحقة لسائر حركات الإنسان فاعلاً ومنفعلاً، ولهي أيضاً الانقلاب الهائل الذي يحوله إلى مخلوق مكلَّف، له سند يعتمد عليه، وله نور يهتدي به، فهو من المبتدأ إلى المنتهى في معية الله تعالى، بحكم الاستناد وبحكم الصنعة، وهذا ما أشار إليه النورسي من أن الإيمان ينير بأنواره الباهرة جميع جهات الإنسان (3)، أو ما يمكن تسميته بالوعاء الحركي للإنسان زماناً ومكاناً، فلا يشعر المؤمن أبداً بأنه في ظلمة وظلام، مهما بلغ في حمله للتكاليف من تعب وإرهاق.
(1) - اللمعات – النورسي ص348.
(2) - المكتوبات – النورسي ص 470
(3) - المصدر السابق ص 474