تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل كلمة الوعي هي المعبرة عن تلك المعاني مجتمعة، إذ فيها تتلاشى معاني العقل والنفس والروح، ويتجلى ذلك الانكشاف الفريد للذات والوجود الخارجي. وبه تتضح الأشياء وتتميز الموجودات بعضها عن بعض، وفيه تظهر (إنية) الإنسان كنقطة مركزية، لا تغفل عن نفسها، ولا تغيب عن الوجود الخارجي، فأمتاز الوعي بعمومية ليست للعقل، إذ قد استمد كل ماله من نورية من المعاني الجامعة للإنسان. فاستأهل كونه ينبوع كل علم ومعرفة.

فإذا كان نور الحياة قد أضفى على الإنسان كل علم ومعرفة. نوعاً ووظيفة. فإن نور الإيمان يتجاوز تلك المعاني الضيقة ليترقى فتنكشف فيها الأشياء كلها بنسبتها الاستنادية لله تعالى. فعد ذلك علماً من نوع خاص يتخطى القشرة السطحية لمعاني الأشياء وينفذ إلى باطنها، فتتجلى له على حقيقتها الإلهية.

ولعل فيما ذهبنا إليه تأكيداً على أن نور الإيمان هو للإنسان بصفة العبودية، لا الخلافة والنيابة عن الله. وبصفة المخلوق المكلَّف لا بصفة المخلوق غير المكلَّف، ليرى به الأشياء رؤية تقف عندها سائر الرؤى، وبصورة تتجلى فيها على قلب المؤمن صفات الله بكل جمالها وجلالها. فيتحول قلبه إلى مرآة تنعكس فيه معانيها فتزيده إشراقاً ونوراً على ما فيه من نور وإشراق.

لكل هذا فلا يصح أن يطلق على ما في الحياة من نور نوراً، إلا من قبيل التجاوز، وفي حدود انبثاقه من نور الله تعالى، وذلك لأنه في أصله معرفة وعلم، وهو له بحكم كونه مخلوقاً، لا يريه نور الحياة إلا ما يخدم تلك النسبة القهرية والتي هي بها خليفة ونائب عن الله تعالى في الكون.

وبناء على ما مضى فقد انحصر نور الإيمان في الدائرة التكليفية وحدها، عوناً للمكلَّف من صعوبة الابتلاء، وتخفيفاً عليه من مشقة التكاليف. وإنقاذاً له من وحشة الاستقلال بنفسه. ومن ذل الاستعانة بغيره أو بذاته.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٥٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٥٨٤