تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فسمى تعالى ما أنزله من وحي روحاً ونوراً، روحاً لتوقف الحياة عليه، ونوراً لتوقف الهداية به، فهو حياة من موت العدم، أو موت الكفر، ونور يستضاء به، وعليه مدار الحركة والحياة معاً.

ومرجع تسمية الوحي بالروح وتعلقه بالحياة، ثم جعله نوراً وهداية إلى اجتماعهما في محل واحد في الإنسان، أي أن محل الحياة هو نفسه محل الإيمان. وهو العلقة السوداء في جوف القلب (1). وتسمى أيضاً المهجة، منبع الروح ومعدنه، وبها تكون الحياة، وهي في الوقت نفسه محل نور الإيمان. وهو المذكور في قوله تعالى: ( أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهمُ الإِيَمانَ ) (2).

وقوله: ( وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيَمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) (3).

إن الذي جعل الحياة تحتل مع الإيمان محلاً واحداً يكمن في أن الحياة بقوة الروح صارت نوراً إليهاً به الحس والإدراك والعلوم والمعارف، فشغلت في القلب محل الإيمان، واشتركت مع الإيمان في صفة النورية، ثم جعلت القلب نفسه محلاً للعقل والتعقل، وموطناً لإدراك حقائق الأمور.

بيد أن تعقل القلب في حالة الحياة لا يقصد به فقط مجرد الإدراك، بل لأن التعقل بمفهومه الجامع يسري في الإنسان، ليعطي له تلك الشحنة النورية المعبر عنها بالشعور تارة والإحساس تارة أخرى، وبالعلم تارة ثالثة، وتبلغ درجة من البساطة والوضوح يستحيل معه البرهنة عليها أو تحديدها لا لخاصية فيها بعينها، وإنما لكونها كاشفة لغيرها، وغنية عن كشف غيرها لها.

(1) - بيان الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب، الحكيم الترمذي ص 53.

(2) - المجادلة 22.

(3) - الحجرات 7.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٥٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٥٨٣