يعني أن عدم التصديق أو الاعتراف بأن اللّه هو وحده الخالق والموجد لكل شيء في الوجود، يفضي بالضرورة إلى التصديق والاعتراف بقيام كل موجود على إيجاد نفسه بنفسه، أي التصديق والاعتراف بأنه يملك القدرة والإرادة والعلم على خلق نفسه، ومن ثم فهو يستأهل صفة الألوهية، ويستحق اسم الرب الخالق.
أما من يصدق ويعترف بفكرة كهذه، تضع المخلوق في منزلة مساوية للخالق الواحد الأحد في الألوهية والربوبية، فقد وصفه النورسي بقوله:
" فهذا النمط من التفكير المعوج لهو أشد بطلاناً من أي محال آخر، وأكثر خرافة منه، فالذي يسند ما أبدعه الخالق العظيم من صنعة رائعة دقيقة ظاهرة جلية حتى في أصغر مخلوق إلى يد الطبيعة الموهومة التافهة التي لا تملك شعوراً لا شك أنه يتردى بفكره إلى درك أضل من الحيوان"(1)
والمحصلة الأخيرة أن كل من يتبع هذه الطريقة في التفكير وينهج على منوالها، فقد بلغ انحرافه عن الهدى والحق حداً لا يصدقه عقل، وسقط فكرياً إلى أقصى درجة من درجات السقوط وهي ما دون الحيوان الأعجم.
وظل رأي النورسي ثابتاً لا يتغير في أن إسناد إيجاد الخلق إلى الطبيعة هو في حكم المحال. وخارج عن دائرة العقل، أما من يصدق بذلك الإسناد فقد أخرجه من زمرة العقلاء، ومن لا عقل له فهو والبهيمة سواء وتحقيقاً لهذا المعنى فقد أورد مثالين:
قال في الأول منهما:
" يدخل إنسان بدائي ساذج التفكير، لم يكن يملك أي تصور حضاري مسبق، يدخل هذا الشخص قصراً فخماً بديعاً، يزهو بزينته، ويختال بأرقى ما وصلت إليه الحضارة من وسائل الأبهة والراحة، ويتلألأ بأضوائه في عتمة فلاة خالية موحشة، فيدلف إليه ويدور في أرجائه، فتدهشه براعة بنائه، ونقوش جدرانه، وروعة إتقانه.
(1) اللمعات – النورسي ص 275