وبكل سذاجة تصوره وبلاهته يمنح القصر حياة ويعطيه قدرة تشييد نفسه بغرفه وأبهائه وصوره الجميلة، ونقوشه الأخاذة، لا لشيء إلا لكونه قاصراً عن تصور وجود أحد – خارج هذا القصر – وفي هذه الفلاة يمكنه أن ينسب إليه بناء هذا القصر، لذا فقد طفق يتحرى عن الباني داخل لقصر لعله يعثر عليه بين أشياء القصر، فما من شيء وقع عليه بصره إلا وتردد فيه وشك في كونه قادراً على إيجاد مثل هذا القصر الذي يملأ أقطار النفس والعقل بروعة صنعه وجمال بنائه.
وتقوده قدماه إلى زاوية من زوايا القصر ويعثر فيها فجأة على دفتر ملاحظات كان قد دونت فيه خطة مفصلة لعملية بناء القصر، وخط فيه أيضاً فهرس موجوداته وقوانين إدارة ممتلكاته، ورغم أن ذلك الدفتر كمحتويات ليس من شأنه تشييد القصر وتزيينه، إذ لا يملك يداً يعمل بها، ولا بصيرة يبصر بها، إلا أنه تعلق به إذ وجده متطابقاً بمحتوياته، مع مجاميع أشياء القصر، ومنسجماً مع سير العمل فيه - إذ هو عنوان قوانين اللّه – لذا قال مضطراً:
" أن هذا الدفتر هو الذي شيد هذا القصر ونظمه وزينه، وهو الذي أوجد الأشياء ورتبها هذا الترتيب ونسقها هذا التنسيق".(1)
فالقصر كما صوره المثل غاية في الروعة والإتقان، وفي منتهى الجمال والكمال، أما أنواره فتشرق من موضعه ذلك في قلب صحراء مقفرة وتتلألأ فتملأ جنبات المكان نوراً وضياءً، ولما كان الذي دخله إنساناً بسيطاً في عقله وضحلاً في تفكيره، فقد اعتقد مشدوهاً بالجوانب الإعجازية لبناء القصر ومبهوراً بدقة الصدفة بأن باني هذا القصر في هذه البرية القاحلة هو داخل القصر لا خارجه.
(1) اللمعات – النورسي ص 280،279