أما القصر الثاني فرأى أمام بوابته كلباً وحارساً ولا شيء سواهما، فدخل، فإذا القصر يموج بالحركة، وكل طابق من طوابقه ينشغل قاطنوه بعمل محدد، بدءاً من إدارة القصر نفسه مررواً بالتعليم انتهاء بالطابق الأخير حيث يعمل صاحب القصر كالعقل المدبر والمحرك لكل عمل ينجز فيه.
ولدى خروجه من القصر وتجواله في المدينة، أدرك أنها هي الأخرى موزعة في اهتماماتها بين هذين القصرين:
فالأول منها لأهل الكفر والفساد.
- والثاني لأهل الإيمان.
وعلى ضوء هذا فسر النورسي وقائع الحكاية قائلاً:
" فتلك المدينة هي الحياة الاجتماعية البشرية ومدينة الحضارة الإنسانية، وكل قصر من تلك القصور عبارة عن إنسان، أما أهل القصر فهم جوارح الإنسان، كالعين والأذن ، ولطائفه كالقلب والروح، ونوازعه كالهوى والقوة الشهوانية والغضبية، وكل لطيفة من تلك اللطائف معدة لأداء وظيفة عبودية معينة ولها لذائذها وآلامها، أما النفس والهوى والقوة الشهوانية والغضبية، فهي بحكم البواب وبمثابة الكلب الحارس، فإخضاع تلك اللطائف السامية إذن لأوامر النفس والهوى وطمس وظائفها الأصلية لا شك يعتبر سقوطاً وانحطاطاً وليس ترقياً وصعوداً".(1)
وملخص ما يفهم من تفسير النورسي أن الإنسان إنما هو بقواه الباطنية كالقلب والروح والعقل، فهي المودعة فيه أصلاً، والمؤهلة فعلاً لعبادة اللّه، وتشغل قواه الظاهرية كقوة الشهوة والغضب وغيرها وظيفة الحارس والحافظ، أي يقتصر دورها وعملها على الحماية من أي عدو يروم تعطيلها عن دورها.
فإذا انعكس الوضع، وانقلبت الأدوار، فانتقلت تلك القوى الظاهرية إلى الباطن، مسيطرة في حركتها الارتدادية ومهيمنة على القوى الباطنية، ومعطلة لوظائفها التعبدية، فإن هذا في حد ذاته تردياً بالإنسان وانحداراً به إلى مهاوي لا نهاية لها، وأي حديث بعدها عن سمو الإنسان أو رفعته يعد عبثاً لا يليق بالعقلاء.
اعتماد النفس على ذاتها
(1) الكلمات – النورسي ص 364