خاطب النورسي ضمن مناجاة حزينة ومؤثرة نفسه، فقال لها ناصحاً ومعلماً:
" تعالى يا نفسي المشتاقة إلى الحياة والطالبة العمر الطويل، والعاشقة للدنيا، والمبتلاة بآلام لا حد لها، وآمال لا نهاية لها، يا نفسي الشقية، انتبهي وعودي إلى رشدك، ألا ترين أن اليراعة التي تعتمد على ضوئها تظل بين ظلمات الليل البهيم بينما النحلة التي لا تعتد بنفسها تجد ضياء النهار. وتشاهد جميع صديقاتها من الأزهار مذهبة بضوء الشمس".(1)
نبّه النورسي نفسه إلى التأمل في حال مخلوقين صغيرين، وذلك في علاقة كل منهما مع نفسه ومع غيره من الكائنات، كاليراعة التي تطير في الليل وكأنها نار، وبين النحلة، فاليراعة تتكل على قوة نورها وتكتفي به مستغنية عما سواه، أما النحلة التي لا تهتم بذاتها، فإنها تنطلق في ضوء النهار لتقيم علاقة مع جميع الكائنات المنورة مثلها بنور النهار.
واستناداً على ذلك أكمل النورسي حديثه مع نفسه قائلاً:
" وكذلك أنت، إن اعتمدت على وجودك وعلى نفسك وعلى أنانيتك، فستكونين كاليراعة، ولكن أن ضحيت بوجودك في سبيل خالقك الكريم الذي وهبه لك، سوف تكونين كالنحلة، وتجدين نور وجود لا حد له، فضحي بنفسك، إذ هذا الوجود وديعة عندك وأمانة".(2)
فنفس النورسي ونفس كل مؤمن، إن هي استندت على قواها الذاتية في الوجود والحركة. فتصبح مثل اليراعة حبيسة الليل والظلام، متوهمة استغناء مطلقاً عما سواها، ولكنها إذا تشبهت بالنحلة، وخرجت من تلك القوقعة، واهبةً ذاتها ووجودها خالصاً للّه تعالى، فستحظى من أنوار الوجود ما لا نهاية لها.
تعبير الرؤيا:
(1) الكلمات – النورسي ص 234
(2) الكلمات – النورسي ص 234