تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك إذا أعجب ذلك الجندي بنفسه ولم يقم احتراماً للمشير خارج وظيفته وعد نفسه أعلى درجة منه، فليس ذلك إلا بلاهة وجنوناً.

ولو تنازل أحد أولئك القواد الممتنين وذهب إلى منزل ذلك الجندي البسيط الذي لا يجد ضيفه الكريم عنده سوى كسرة خبز، فسوف يرسل السلطان الذي يعلم حال خادمه الأمين إلى منزله طبقاً من أطيب طعام وألذه من مطبخه الخاص دفعاً للحرج عنه".(1)

فحالة النورسي إذن تشبه حالة الجندي عند سلطان مهيب، وهو يحمل عطايا سيده وهباته إلى قادة عسكريين كبار، فإذا تجاسر واحد منهم محتجاً، لماذا نهبط إلى مستوى تلقى تلك الهدايا ممن لا يكاد يساوي شيئاً في تسلسل الرتب العسكرية، فلا شك أن في تصرفه هذا من خداع النفس ما يخرجه من زمرة العقلاء.

والشيء نفسه يقال على الجندي إذا شمخ برأسه وتكبر وتعالى. فلم يراع حقهم في التقدير والاحترام، بل حسب بوصفه ممثلاً للسلطان، بأنه أرفع مكانة منهم، فلا شك أن تصرفه هذا دال على ضعف في عقله. وقلة في التمييز بين ما يجب وما لا يجب.

أما إذا تواضع أحد هؤلاء القادة الكبار، وأراد رد جميل السلطان بالإحسان إلى الجندي. وزاره في بيته. فإن السلطان لعلمه بحالة الجندي سيرسل إكراماً له مائدة حافلة بأطايب الأكل اعتزازاً وتكريماً له.

وكذلك الحال مع من يعمل في خدمة القرآن، فيقول عنه النورسي:

" فكما أن الأمر هكذا، في خادم السلطان، كذلك خادم القرآن الصادق، إذ مهما كان من عامة الناس، إلا أنه يبلغ أوامر القرآن الكريم باسم القرآن نفسه إلى أعظم إنسان من دون تردد ولا إحجام، ويبيع جواهر القرآن الثمينة جداً لأغنى إنسان روحاً بافتخار واعتزاز واستغناء، من دون تذلل وتوسل.

فهؤلاء مهما كانوا عظاماً لا يمكنهم أن يتكبروا على ذلك الخادم البسيط في أدائه لوظيفته. وذلك الخادم أيضاً لا يجد في نفسه ما يجعله يفتر أمام مراجعة أولئك الأفذاذ، فلا يتجاوز حده.

(1) المكتوبات- النورسي ص 457،456

رسائل عن النورسية · الصفحة ٣٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٣٣٤