لا تنتظروا من شخصي همة ولا مدداً، ولا تعدوني شخصاً مباركاً، فأنا لست صاحب مقام، فكما يبلّغ الجندي الاعتيادي أوامر مقام مشير، فأنا كذلك أبلّغ أوامر مشيرية معنوية رفيعة، وكما يقدم شخص مفلس لا يملك شيئاً بدور الدلال لدكان مجوهرات غالية جداً، فأنا كذلك دلال أمام دكان مقدس وهو القرآن الكريم.
هكذا تقول لكل زائر قادم إليك، ولكن عقولنا تحتاج إلى العلم كما أن قلوبنا تطلب الفيض وأرواحنا تنشد النور، وهكذا أشياء كثيرة بجهات شتى، ونأتي لزيارتك علك تفي بحاجتنا، إذ نحن بحاجة إلى طالب ولاية وصاحب همة وكمالات أكثر من حاجتنا إلى عالم، فإن كان الأمر كما تقول فقد أخطأنا إذن في زيارتك".(1)
فهؤلاء الطلاب في ترددهم على النورسي لا يسعون وراء العلوم الإسلامية التقليدية كالفقه والحديث والعقيدة، بل يبتغون نوعاً خاصاً من العلم يعرفون من خبرتهم أنه لا يوجد إلا عند العارفين باللّه أصحاب الكشوفات والفتوحات الربانية، أي العلم اللدني، فاعتقدوا أنه واحد منهم أو في عدادهم.
ولكنه رد عليهم بأنه ليس كما يحسب الناس ويظنون. فما هو إلا كجندي بسيط في إبلاغه أوامر من هو أعلى رتبة منه، وكشخص فقير معدم وهو ينادي الناس لشراء سلعة لا تقدر بثمن، وما النورسي الذي يضعونه موضع العارفين باللّه، وينزلونه منزلة أولياء اللّه الصالحين إلا كواحد من هذين يقف منادياً على كلام اللّه، ودال الناس على جواهره ودرره القيمة.
ومثل لهم حالته تلك بقوله:
" خادم لسلطان عظيم أو جندي تحت إمرته يسلم إلى القواد العظام والمشيرين الكبار هدايا السلطان وأوسمته الرفيعة، ويجعلهم في امتنان ورضى. فإن قال أولئك القواد والمشيرون لمَ نتنازل بتسلم النعم السلطانية وإكرامه لنا من يد هذا الجندي البسيط. فلا شك أن ذلك يعد غروراً جنونياً.
(1) المكتوبات- النورسي ص 456