يعني أن أسماء اللّه وسماتها تقتضي بالضرورة التضاد والتباين والخلاف، بين كل شيئين، كالسواد والبياض، والحياة والموت، والليل والنهار. على ألا يفهم من مقابلة كل منهما للآخر على ضوء ذلك الاقتضاء، إلا كونهما فكرتين متعاقبتين، تقف كل منها معارضة للأخرى ومناقضة للأخرى، ويزداد ذلك التعارض حتى يصل حد التنافر والمنازعة، أو كما في تعبير النورسي حد المبارزة.
قرب الله وبعده
أشارت كثير من آيات القرآن إلى قرب اللّه تعالى من عباده قرباً فيه من الشدة مالا يشعر به أحد من خلقه، كما دلت آيات أخرى على بعده تعالى بعداً هو أيضاً من الشدة بحيث لا يشعر به أحد. وشبه النورسي كلاهما بالشمس التي يبلغ قربها وبعدها من الناس الحدود القصوى، فقال:
" إن الشمس بنورها غير المقيد، ومن حيث صورتها المنعكسة غير المادية أقرب إليك من بؤبؤ عينك – التي هي مرآة لنافذة روحك – إلا أنك بعيد عنها غاية البعد، لأنك مقيد ومحبوس في المادة، ولا يمكنك أن تمس إلا قسماً من صورها المنعكسة وظلالها، ولا تقابل إلاّ نوعاً من جلواتها الجزئية، ولا تتقرب إلاّ لألوانها التي هي في حكم صفاتها، ولطائفة من أشعتها التي هي بمثابة طائفة من أسمائها".(1)
فالشمس بحكم قوة ظهورها، وسرعة انتشار أشعتها، ونفاذها في كل شيء، أقرب إلى الإنسان من إنسان عينه وسوادها، وفي الوقت نفسه هو بعيد عنها بحكم طبيعته المادية التي لا تتحمل ولا تحتمل إلا جزءاً غاية في الصغر منها، ولكن إذا أراد فعلاً الاقتراب منها. لزمه كما يقول النورسي:
" التجرد عن كثير جداً من القيود، والمضي في مراتب كلية كثيرة جداً، وكأنك تكبر معنى – من حيث التجرد – بقدر الكرة الأرضية، وتنبسط روحاً كالهواء، وترتفع عالياً كالقمر، وتقابل الشمس كالبدر، ومن بعد ذلك يمكنك أن تدعي نوعاً من القرب دون حجاب"(2)
(1) الكلمات ، النورسي، ص 217
(2) الكلمات ، النورسي، ص 217