لقد انطلق بديع الزمان في حركة تجديد الإيمان من مفهوم (التوحيد)، حيث عمل على تخليصه من الجفاء الفلسفي والجفاف الكلامي، ثم أعاد إليه مفهومه الأصيل في القرآن العظيم، ألا وهو الإخلاص! إذ جعل المسلم ينتظر بعين الشهود القلبي إلى (التوحيد الحقيقي) كما سماه ليحصل له ما بيناه في التعريف من (مشاهدة اليقين لانفراد ربوبيته تعالى، ووحدانية ألوهيته، في خاتمه المضروب على كل شيء)(1).
وجعل ذلك هو غاية الوجود البشري: التوحيد بما هو الطريق الحقيقي للتعرف إلى الله جلاله. حيث (الإيمان بيقين أقرب ما يكون إلى الشهود بوحدانيته سبحانه، وبصدور كل شيء من يد قدرته، وبأنه لا شريك له في ألوهيته، ولا معين له في ربوبيته، ولا ند له في مُلْكِه، إيمانا يهب لصاحبه الاطمئنان الدائم، وسكينة القلب؛ لرؤية آية قدرته، وختم ربوبيته، ونقش قلمه على كل شيء. فينفتح شباك نافذ من كل شيء إلى نوره سبحانه (...) ذلك التوحيد الحقيقي الخالص السامي)(2).
(1) انظر مصطلح (التوحيد) بالفصل الأول من هذا البحث.
(2) الكلمات: 1/326.