تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومعلوم أن الأجوبة تضاربت في ذلك وتباينت، فمن داعية يرى أن الأزمة أزمة فكرية، إلى من يرى أنها أزمة روحية، أو ثقافية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو عسكرية... إلى غير ذلك من الاجتهادات والتصورات. ثم يختلفون بعد الاختلاف الأول في باب الخروج منها: أهو العمل السياسي الحزبي؟ أم هو العمل الثقافي العلمي؟ أم هو العمل الروحي الصوفي؟ ... إلخ. وربما اتفقت أقوال بعضهم على توصيف معين للأزمة، لكنهم يختلفون في تحديد باب الخروج كيف؟

إن بديع الزمان يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الأزمة اليوم أزمة أمانة! لكن ليس بالمعنى الفقهي للكلمة. بل هو بمعناها الكوني، الراجع إلى الوظيفة الوجودية للإنسان في القرآن، والتي هي عنوان الاستخلاف الرباني، في قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الأِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا)(الأحزاب:72). ثم إن هذا المفهوم الشمولي الذي أعطاه الأستاذ النورسي للأخلاق؛ جعله يعتبرها هي باب الخروج من الأزمة؛ صلاحا وإصلاحا. إذ بصلاحها ينهض الناس بالأمانة، وبفسادها يتمردون عليها ويخونونها. فهي غاية ووسيلة في الآن نفسه، وهي مادة التربية، وهي مقصدها.

ولقد ألغى الأستاذ النورسي العمل السياسي - بمعناه الضيق - من الاعتبار في العملية الإصلاحية، وجعله من الهوامش والتوابع، لا من المنطلقات والأصول، في المشروع التجديدي للدين، منطلقا في ذلك من الطبيعة التشريعية للإسلام من جهة، ومن فقه الواقع السياسي المعاصر، واعتبار المآلات الاجتماعية من جهة أخرى. قال رحمه الله: (إن نسبة الأخلاق والعبادة، وأمور الآخرة، والفضيلة؛ في الشريعة؛ هي تسع وتسعون بالمائة. بينما نسبة السياسة لا تتجاوز الواحدة بالمائة!)(1)

(1) صيقل الإسلام: 446.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٣٠٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٣٠٢٨