تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الفلسفة فنظرت إلى "أنا" بالمعنى الاسمي دون الحرفي، وبالوجود الأصلي دون التبعي، وزعموه مالكا بالحقيقة، وظنوه حقيقة ثابتة، وتوهموا وظيفته: تكمل ذاته بحب ذاته! فمن هنا تشعبت أنواع الشرك، وعلى رأس "أنا" نبتتْ شجرة زقوم الضلالة (...) فـ"أنا" في العالم الصغير، كالطبيعة في العالم الكبير: كلاهما من الطواغيت!)(1).

فإذن؛ آل أمر الأمانة الكونية الكبرى إلى قضية واحدة؛ موقفا وسلوكا. هي: (أنا). كيف يمكن تربيتها حتى تتخلق بأخلاق القرآن؟ كيف يمكن إخراجها من الجزئية البشرية الضيقة، إلى الاستخلافية الكلية، والأمانة الكونية الفسيحة؟ إن حديث أمنا عائشة رضي الله عنها في وصف رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أنه (كان خُلقه القرآن)(2)؛ حديث محيل على الكون العابد لله الخاضع لسلطانه. أليس القرآن هو ترجمان الكون؟ أليس هو الثبت الكشاف عن أسراره؟ ثم أليس الكون هو كتاب الله المنظور؟ أليس هو برهانه المنشور؟ كما بينه بديع الزمان في غير ما موطن من رسائله(3). إذن؛ التخلق بأخلاق القرآن هو تخلق بأخلاق الكون، السائر إلى الله عبر أفلاك العبادة؛ رغبا ورهبا، كما في قوله تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)(الإسراء:44). وقال مخبرا عن ذوات الشعور من الأحياء: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ

(1) المثنوي العربي: 329.

(2) رواه مسلم.

(3) انظر مصطلح (القرآن) بهذا البحث.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٣٠١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٣٠١٩