تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمقصود بـ(السمكتية): المعنى الاسمي، والمقصود بـ(الحبابية): المعنى الحرفي. ذلك أن السمكة السابحة في الماء (ذات)، بينما الحُباب إنما هو نفاخات الماء وفقاقيعه، التي ليس وراءها غير الهواء! فوجوده تبعي، لا ذاتي. وتحول السمكة إلى حباب يعني إنكارها لذاتها، وانتسابها في الوجود إلى الماء. فلا ترى الأشياء إلا من خلاله؛ تجريدا وتفريدا. وذلك عين التوحيد. بينما إصرارها على اسميتها يعميها عن إبصار الانتساب إلى بحرها، فلا ترى الأشياء إلا من خلال ذاتها! وذلك هو عين الشرك العظيم!

وإذن؛ (فليرجع "أنا" من السّمكتية إلى الحبابية!) ذلك ألطف مثال - ولا مشاحة في الأمثال - ساقه بديع الزمان لبيان الحقيقة الوجودية، والبعد الكوني للأخلاق.

فـ(أنا) هي موضوع التخلق، وباب التربية، وسبيل المجاهدة؛ للوصول إلى الكونية الخلقية. وإنما انزلقت قدم تلميذ الفلسفة في منطلق التفكر ومبدئه الأول هذا: (الأنا)، التي هي منطلق كل خير، ومنطلق كل شر، على حسب ما رَكّبْتَه عليه من (الاسمية) أو (الحرفية). قال رحمه الله: (إنَّ "أنا" له وجهان: وجه أخذته النبوة، ووجه أخذته الفلسفة.

فالوجه الأول: منشأ العبودية المحضة. ماهيته حرفية، ووجوده تبعي، ومالكيته وهمية، وحقيقته فرضية، ووظيفته: صيرورته ميزانا ومقياسا لفهم صفات الخالق. فالأنبياء هكذا نظروا إلى "أنا"، فسلّموا الملكَ كلَّه لله. وحكموا بأنه لا شريك له، لا في ملكه ولا في ربوبيته، ولا في ألوهيته. وبيده مقاليد كل شيء، وهو على كل شيء قدير. ومن هذا الوجه الشفاف الحي أنبت الرحيم جل جلاله شجرة طوبى العبودية، فأثمرت أغصانها المباركة في حديقة الكائنات، دانية قطوفها، متدليةَ ثمرات الأنبياء والمرسلين، والأولياء والصديقين، المتلألئين كالنجوم في الظلمات!

رسائل عن النورسية · الصفحة ٣٠١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٣٠١٨