وإنما كل ذلك (أخلاق) و(تخلق). إذ منطلق تحقيق الحرفية قائم أساسا على نكران الذات، والتجرد من الشهوات، ومجاهدة (للأنا) التي هي سبب كل بلاء. وما ألطف قول النورسي في هذا: (فإذا تأمّلت في "أنا" بالمعنى الحرفي، صار لك عيناً تفهّمت ورأيت به كل ما في الكون؛ لأنه إذا جاءت المعلومات الآفاقية صادفتْ في "أنا" ما يصدقها. فإذا فهمتها انتهت وظيفة "أنا" وربوبيته الموهومة، ومالكيته المفروضة. فليرجع "أنا" من السّمكتية إلى الحبابية! وأما إذا نظرت إلى "أنا" بالمعنى الاسمي واعتقدته مالكاً، وخنت في الأمانة دخلت تحت (وقَدْ خَابَ مَنْ دَسّيها)(الشمس:10)، إذ الأمانة التي تدهشتْ من حملها السماوات والأرض والجبال هي "أنا" من هذه الجهة، إذ منها يتولد الشرك والشرور والضلالات، إذ إذا تستَّر "أنا" عنك غلُظ، حتى صار حبلاً بلع وجودك، فصار كلُّك "أنا". ثم استغلظ بأنانية النوع والاستناد به؛ فيصير شيطانا يبارز أمر صانعه. ثم يقيس الناس، ثم الأسباب؛ على نفسه؛ فيقع في شرك عظيم. ففي هذا الوجه لو أرسلت عينك وفتحت كل الآفاق انغلقت في وجهك، برجوع عينك إلى نفسك؛ إذ ترى كلَّ شيء بلون ما في نفسك من "أنا". ولونُه في ذاته - في هذا الوجه - الشرك والتعطيل، ولو مُلئت الآفاق آياتٍ باهرةً، وبقي في "أنا" نقطة مظلمة؛ طمَّت على الآيات!)(1).
إن هذا النص لهو من ألطف كلمات الأستاذ بديع الزمان النورسي رحمه الله! فقد ضمنه غرة معاني العبودية، وجوهر أصول التوحيد! وذلك - كما رأيت - بأسلوب إشاري رفيع! (الأخلاق) إذن بكل امتداداتها الكونية؛ إنما منطلقها: (أنا)! هذه هي القضية. (فليرجع "أنا" من السّمكتية إلى الحبابية!) ذلك هو بيت القصيد، وإن دونه لفل الحديد وقطع الوريد!
ولي كبدٌ مقروحة من يبيعني *** بها كبدا ليست بذات قروحِ؟
أباها عليَّ الناسُ لا يشترونها *** ومن يشتري ذا علة بصحيحِ؟
(1) المثنوي العربي النوري: 328.