النظرة الأولى تمثل (المعنى الاسمي) أي: زجاجة المرآة معنى مقصود، وصورة الشخص المتمثلة فيها (معنى حرفي) غير مقصود. أما النظرة الثانية فصورة الشخص هي المقصودة، فهي إذن معنى (اسمي) أما الزجاج فمعنى (حرفي). وهكذا ورد في كتب النحو تعريف الاسم أنه: دلّ على معنى في نسفه. أما الحرف فهو: ما دلّ على معنى في غيره.
فالنظرة القرآنية إلى الموجودات تجعل الموجودات جميعها حروفاً، أي أنها تعبّر عن معنى في غيرها، بمعنى أنها تعبّر عن تجليات الأسماء الحسنى والصفات الجليلة للخالق العظيم المتجلية على الموجودات.
أما نظرة الفلسفة الميتة فهي تنظر على الأغلب بالنظر الاسمي إلى الموجودات، فتزل قدمها إلى مستنقع الطبيعة)(1).
وبهذا النظر كان بديع الزمان يدرس الظواهر الكونية كلها ويتفكر فيها. قال: (فهذا الطريق على نهج القرآن ينظر إلى الكائنات أنها مسخرة لفاطرها الجليل، وخادمة في سبيله، وأنها مظاهر لتجليات الأسماء الحسنى، كأنها مرايا تعكس تلك التجليات. أي أنه يستخدمها بالمعنى الحرفي، ويعزلها عن المعنى الاسمي، من أن تكون خادمة ومسخرة بنفسها. وعندها ينجو المرء من الغفلة، ويبلغ الحضور الدائمي على نهج القرآن الكريم. فيجد إلى الحق سبحانه طريقاً من كل شيء)(2).
فقوله هذا: (فيجد إلى الحق سبحانه طريقاً من كل شيء) دال على أن تحقيق الإنسان المؤمن للمعنى الحرفي في النفس؛ اعتقادا وعبادة وتفكرا؛ هو الكفيل بأن يبلغ به إلى تحقيق العبودية الكاملة لله الواحد الأحد سبحانه، وهو الكفيل بتحقيق انتسابه إلى الوجود الحق، وأما قصد (الاسمية) في النفس فهو قصد إلى العدم عينه.
(1) اللمعات: 171 ـ 172.
(2) الكلمات:561.