تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد استعار بديع الزمان اصطلاحات النحاة من (حرفية) و(اسمية)؛ ليوظفها توظيفا تفكريا بديعا. إذ عبّر بذلك عن أدق حقائق الوجود وألطفها، وبيّن بها إعجاز القرآن وإشاراته، في الأنفس وفي الآفاق، ورسم بها مسلكا عمليا خلال آيات القرآن للتخلق الكوني. وأصل دلالة (الحرف) نحويا: أنه غير مستقل بنفسه، في حاجة مستمرة إلى غيره. وهو ما يسميه النحاة بـ(الافتقار). أما (الاسم) فهو مكتف بذاته على دلالته على المعنى(1).

من هنا إذن كانت الكائنات موجودة بالمعنى الحرفي لا الاسمي، بمعنى أنها غير مستقلة بنفسها، بل هي في حاجة مستمرة إلى خالقها، مفتقرة في بقائها إلى إرادته سبحانه. فالنظر إلى الموجودات على أن وجودها (حرفي) فحسب؛ يجعلها مجرد مظاهر تعكس تجليات الأسماء والصفات، من حيث إن تلك الموجودات مفتقرة إلى خالقها البارئ المصور العليم الخبير. ذلك أن تأمل (الحاجة) يدل على جمال (الغنى). ومن هنا كان من المستحيل أن تحمل الكائنات الحرفية حقيقة الاسم، إذ كل الحروف تقود إلى الاسم الواحد الأعظم. قال رحمه الله مجيبا عن أسئلة بعض طلاب النور: (أما سؤالك الثاني الذي يتعلق ببحث المعنى الاسمي والمعنى الحرفي، فمثلما أشارت كتب النحو عامة إليه في بداياتها، فقد وضحته توضيحاً كافياً بالأمثلة كتب علم الحقيقة كالكلمات والمكتوبات ويعّد من الإسراف الإسهاب في الإيضاح لمن يملك ذكاءً ودقة ملاحظة مثلك.

فإنك إذا نظرت إلى المرآة من حيث إنها زجاجة، ترى مادتها الزجاجية، وتكون الصورة المتمثلة فيها شيئا ثانويا، بينما إن كان القصد من النظر إلى المرآة رؤية الصورة المتمثلة فيها، فالصورة تتوضح أمامك حتى تدفعك إلى القول (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون:14) بينما تبقى زجاجة المرآة أمراً ثانوياً.

(1) انظر ألفية ابن مالك: "وكافتقار أصلا".

رسائل عن النورسية · الصفحة ٣٠١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٣٠١٥