ومن هنا انطلق بديع الزمان إلى علاج هذا الداء الخلقي العضال، من تبين طبيعة الوجود البشري؛ لتحديد طريق التخلص من سيطرة (الأنا) على الإنسان، وترقيته بمدارج الصلاح الخلقي، بصورة تحقق له توازنا فطريا، وكمالا حقيقيا لا وهميا. وذلك أن وجود الإنسان - بالنسبة إلى وجود الخالق جل علاه - إنما هو كسائر الموجودات. أي أنه فرد من المخلوقين يستوي وإياهم في الخضوع لصفة الخالقية. وإنما تميزه من حيث هو أحوجهم جميعا إلى رحمة الله، فهو ثمرة شجرة الكون، وثمر الشجرة هو أضعف ما فيها، وأجمع لخصائصها! وذلك سر إمامته كما تبين بمحله(1). أما من الناحية الوجودية الصرف؛ فكل الخلق خاضع للوجود (الحرفي)، ولا شيء داخل المعنى الاسمي إلا اسم الجلال الله الخالق لكل شيء، سبحانه وتعالى. وعلى هذه الأرضية تنبني إمكانية المجاهدة التربوية عبر مسالك التخلق الكوني، إذ يتعين على الإنسان من حيث هو موجود بـ(المعنى الحرفي) أن يسلك مسلك تحقيق (الحرفية) بمشاهدة استنادها إلى (الاسمية) في (الوجود الاسمي) الحق، الذي هو وجود الخالق جل وعلا. ومن خلال مشاهدة الحرفية الذاتية للإنسان في نفسه؛ يشاهد آنئذ كل المخلوقات الكونية تصدقه، ويصدقها، إذ هي جميعا مجرد حروف، تدور في فلك الاسم الأعظم؛ وهكذا يجد صداها جميعا في نفسه، فيشعر بوجوده الحقيقي وقد تخلق بأخلاق كونية شمولية؛ وذلك بالسير إلى الله الذي له الاسم الأعظم، والأسماء الحسنى. وهو معنى (الانتساب الإيماني) أيضا كما درسناه بمحله(2).
(1) انظر مصطلح (الإنسان) بهذا البحث.
(2) انظر مصطلح (الانتساب) بهذا البحث.