السرمدية المتبدلة بسرعة، وهي مزرعة ضيقة مؤقتة لاستنبات بذور البساتين الدائمة الخالدة)(1).
كل ذلك إذن؛ إنما هو لإتاحة الفرصة أمام الاستعدادات الفطرية، التي جعلها الله عز وجل في نفس الإنسان؛ لبلوغ كمالات التقوى خُلُقا وتخلقا. تلك الكمالات التي هي زبدة الشريعة، وغاية الدين، ومجمع البحرين، من سور القرآن وآياته. وقد سبق في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)(2).
هذه غايتك يا ابن آدم فكيف السلوك؟ وتلك هي قصة الكونية الأخلاقية في القرآن منذ بدايتها، فكيف تحقيق مناطها؟ تلك أسئلة جعلها النورسي جزءا من مضمون المفهوم. وبيانها كما يلي:
- مجاهدة (الأنا) بين التخلي الاسمي والتحلي الحرفي:
لقد انطلق الأستاذ النورسي في رسم طريق المجاهدة الأخلاقية، من مبدأ تفكري استقرائي، في تشخيص أصل الأمراض الخلقية كلها. وهو رجوعها جميعا إلى غرق الإنسان في مشاهدة (الأنا) الذاتية التي تسكنه، بصورة تعميه عن مشاهدة أي شيء سواها إلا من خلالها! فتنشأ بباطنه رغبة آثمة لتوظيف كل مصالح الاجتماع البشري لصالحه فقط، ولا عليه بعد ذلك أن يهلك الآخرون. قال رحمه الله: (لو تأملت في مساوئ جمعية البشر لرأيت: أس أساس جميع اختلالاتها وفسادها، ومنبع كل الأخلاق الرذيلة في الهيئة الاجتماعية، كلمتين فقط: إحداهما: "إن شبعتُ فلا عليّ أن يموت غيري من الجوع!". والثانية: "اكتسبْ أنت لآكل أنا! واتعبْ أنت لأستريح أنا!")(3) فالكلمة الأولى راجعة إلى الرغبة الآثمة في تمجيد (الأنا)، وتمتيعها بذاتها، ولذاتها فقط. فهي الهدف من كل ما يراه. والكلمة الثانية راجعة إلى توظيف كل شيء؛ من أجل تحقيق الأولى، فهي وسيلتها.
(1) الكلمات: 204.
(2) سبق تخريجه.
(3) المكتوبات: 604.