يقول بديع الزمان في كلمة جامعة: (هذا الإنسان، هو سيد الموجودات، رغم أنه صغير جدا؛ لما يملك من فطرة جامعة شاملة. فهو قائد الموجودات، والداعي إلى سلطان ألوهية الله، والممثل للعبودية الكلية الشاملة، ومظهرها. لذا فإن له أهمية عظمى)(1)، ومعنى ذلك أنه مؤهل لمهمة كونية كبرى، هي الإمامة التعبدية، إذ جعله الله إماما للعابدين ولسائر السائرين من الخليقة أجمعين، كما هو مشار إليه في آية الأمانة: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً)(الأحزاب:72). وهو إذ أسكنه الله عز وجل الأرض؛ جعلها مؤهلة لذلك وصالحة لاستضافة خلفية الله بالمعنى المذكور. فهيأها لجميع أنواع العبادات الإنسانية، العملية والتفكرية، وجعلها مسالك تقود العباد إلى الله. فكان الإنسان بذلك جامعا - بالقوة دون الفعل - لكل أخلاق الكون التعبدية. فإذا انخرط في سلك المجاهدة التربوية اكتسب صفاتها بالفعل، وإذا تخاذل واستجاب لشهواته بقيت تلك الصفات في قبر (القوة)، وبرزت على حسابها أخلاق الشر والعياذ بالله. ومن هنا كانت الأرض مسجده الكلي المستعد لكل أنواع الصلوات. قال بديع الزمان: (إن الإنسان هو الثمرة النهائية لشجرة الخلقة (...) ومن هنا فإن مهد هذا الإنسان، ومسكنه، وهو الأرض، كفء للسماء معنى وصنعة. ومع صغر الأرض وحقارتها بالنسبة إلى السماء فهي قلب الكون ومركزه، ومشهر جميع معجزات الصنعة الربانية، ومظهر جميع تجليات الأسماء الحسنى وبؤرتها، ومعكس الفعاليات الربانية المطلقة، ومحشرها، وسوق عرض المخلوقات الإلهية بجود مطلق، ولا سيما عرضها لكثرة كاثرة من النباتات والحيوانات. وهي نموذج مصغر لما يعرض في عالم الآخرة من مصنوعات، ومصنع يعمل بسرعة فائقة لإنتاج المنسوجات الأبدية، والمناظر
(1) الكلمات: 63 ـ64.