الإنسان!)(1)
إن التربية القرآنية تجعل من المجتمع الإسلامي مجتمعا سهل الانقياد، سهل الإدارة؛ لما له من قابلية تعبدية، ولما له من رغبة في التقرب إلى الله، بالانضباط الخلقي، والالتزام التلقائي لحدود الله؛ (حتى إن قروياً مثلي [يقول بديع الزمان] يستطيع أن ينظر إلى إدارة الدولة التي هي في أوج العلا كالثريا، ويربط نوى الأماني والاستعدادات هناك. وحيث إن كل فعل وطور يصدر يلقى صداه هناك، لذا ستتعالى همته كالثريا وتتكامل أخلاقه بالدرجة نفسها، وتتوسع أفكاره بقدر سعة الممالك العثمانية، وسيسبق بإذن الله الأفذاذ من أمثال أفلاطون، وابن سينا، وبسمارك، وديكارت، والتفتازاني)(2).
إن هذا السبق الذي قد يبدو مستحيلا لغير العارف بالحقيقة القرآنية من جهة، وغير العارف بالحقيقة التاريخية من جهة أخرى؛ ليس ناشئا عن فراغ، ولا هو وليد استرخاء وترف فكري. كلا! بل هو ناشئ عن مجاهدة ومكابدة. إن المجاهدة التربوية تورث الأمي البدوي، أسرار المعرفة الإيمانية التي هي شرط السبق في قيادة البشر. وها هم هؤلاء الخلفاء الراشدون تحولوا - بفضل ذلك المنهج التربوي العجيب - من رعاة للجمال في بطاح مكة؛ إلى أساتذة في فن قيادة المجتمعات، ذات العرقيات المتباينة، والثقافات المختلفة، واللغات العديدة؛ بحبل واحد ووحيد: هو (حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض)، كما في الحديث الصحيح(3) أي: القرآن العظيم!
(1) الشعاعات: 284.
(2) صيقل الإسلام: 470.
(3) رواه الطبري في تفسيره: 4/31، نشر دار الفكر بيروت لبنان: 1405هـ. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير:4473.