تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالتلميذ المخلص للفلسفة "فرعون" ولكنه فرعون ذليل، إذ يعبد أخس شيء لأجل منفعته، ويتخذ كل ما ينفعه رباً له(...) بينما تلميذ القرآن المخلص هو "عبد" ولكنه عبد عزيز، لا يستذل لشيء حتى لأعظم مخلوق، ولا يرضى حتى بالجنة، تلك النعمة العظمى غاية لعبوديته لله. ثم إنه تلميذ متواضع، لين هيّن ، ولكنه لا يتذلل بإرادته لغير فاطره الجليل، ولغير أمره وإذنه)(1).

إن العبودية بمعناها الشرعي في الإسلام هي أساس التربية الخلقية، ومن عجيب الأمر أنها تجمع بين نقيضين العزة والذلة؛ ذلك أن الذلة لله الواحد القهار تورث العبد عزة، من باب (الانتساب)، كما هو مفهومه عند النورسي(2) حيث يستفيد عبد الله أنوارا من أسماء الله الحسنى، وتسنده صفات الله العلى، من قوة وعظمة وجلال وعزة، فيعز العبد بالانتساب إليه تعالى. ويتخلق في الأرض - من جهة الاجتماع البشري - بأخلاق الصلاح، حيث يعبد ربه بمعاملة الناس، والسعي في حوائجهم صلاحا وإصلاحا؛ وهذا ما يجعل أخلاق المسلم مطبوعة بالصدق والوفاء بصورة مثالية، تنعدم معانيها في غير مجتمع العابدين. إن التلقائية التعبدية التي تطبع الأخلاق الإسلامية هي سر نجاح التربية التي يشرف عليها القرآن. وهذا لا يمكن تصوره في التربية الفلسفية. إن الاحتكام إلى العقل الفلسفي لا يورث إلزاما ولا التزاما. ما دام القلب لا يستجيب بشكل وجداني لعاطفة المحبة، التي هي سر التحولات الخلقية في الإنسان. تماما كما تحولت قبائل العرب من بداوتها المتوحشة إلى أستاذية عالمية في درس الأخلاق! وبهذا المنطق تحدى بديع الزمان الفلسفة والفلاسفة، وعلماء الاجتماع والسياسة؛ فرفع نداءه عاليا: (فليلق السمعَ علماء الاجتماع والسياسة والأخلاق من المعنيين بشؤون الإنسان وأخلاقه واجتماعه!)(3) ونادى: (فلترن آذان الاجتماعيين والأخلاقيين من المعنيين بشؤون

(1) الكلمات: 144.

(2) انظر مصطلح (الانتساب) بهذا البحث.

(3) الكلمات: 106.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٣٠٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٣٠٠٨