وقال في موطن آخر؛ متفكرا ومتأملا؛ كيف أن هذا النبي الأمي - صلى الله عليه وسلم - قد (غلب على الأفكار، وتحبب إلى الأرواح، وتسلط على الطبائع، وقلع من أعماق قلوبهم العادات والأخلاق الوحشية، المألوفة، الراسخة، المستمرة، الكثيرة. ثم غرس في موضعها في غاية الإحكام والقوة - كأنها اختلطت بلحمهم ودمهم - أخلاقاً عالية وعادات حسنة. وقد بدّل قساوة قلوب قوم خامدين في زوايا الوحشة بحسيات رقيقة، وأظهر جوهر إنسانيتهم، ثم أخرجهم من زوايا النسيان ورقي بهم إلى أوج المدنية، وصيّرهم معلمي عالمهم، وأسس لهم دولة عظيمة في زمن قليل. فأصبحت كالشعلة الجوالة والنور النوار؛ بل كعصا موسى تبتلع سائر الدول وتمحوها. فأظهر صدقه ونبوته وتمسكه بالحق؛ إلى كل مَن لم تعم بصيرته)(1).
ذلك ما دفع الأستاذ النورسي إلى البحث عن أسرار التحولات، ومفاتيح التغيرات، التي أحدثها القرآن في أخلاق الناس؛ عساه يمسك برأس الخيط الذي يعيد به تشكيل المجتمع الإسلامي المعاصر، ويعيد تركيبه على أساس تجديد الدين للأمة، كما هو موعود به في الحديث الشريف. ومن هنا وصل إلى أن سر التغيير الذي أحدثه القرآن في الإنسان هو أنه ربط المسلم بحقيقة ماهيته الجوهرية القائمة على التنكر (للأنا)، بمعناها الوجودي. فعقد لذلك مقارنة لطيفة بين تلميذ التربية القرآنية وتلميذ الفلسفة، نوردها مختصرة فيما يلي، قال رحمه الله: (للوصول إلى مدى الفرق بين التربية الأخلاقية التي يربي بها القرآن الكريم تلاميذه، والدرس الذي تلقنه حكمة الفلسفة، نرى أن نضع تلميذيهما في الموازنة:
(1) صيقل الإسلام: 148.