تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن المجاهدة في هذا الزمان هي بمثابة حرب على المستوى الباطني والنفسي، يخوضها الإنسان مع نوازعه الشريرة. ولذلك فقد أورد قصة تمثيلية - كعادته في عرض أفكاره - من الحرب العالمية الأولى، في سياق استنباط العظات والعبر؛ منزلا حقائقها بصورة مجازية على حرب الإنسان مع النفس ومع الشيطان، فقال: (وأما تلك الحرب فهي مجاهدة الإنسان نفسه وهواه، واجتنابه الخطايا ودنايا الأخلاق، ومقاومته شياطين الجن والإنس؛ إنقاذاً لقلبه وروحه معاً من الهلاك الأبدي والخسران المبين)(1).

فالمجاهدة ليست نزهة، بقدر ما هي عملية وجدانية، تنتقل بالطبيعة البشرية من طين العادات إلى ماء العبادات. وليس غير القرآن أقدر على هذا التحويل الجبلّي العجيب، وهذه الصناعة التربوية العميقة. ومن هنا لم يزل بديع الزمان منبهرا بتلك العملية التربية التي قادها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت راية القرآن، وهو يقوم بتحويل قبائل العرب من أخلاق البداوة والتوحش إلى أخلاق القيادة والسيادة؛ حتى صاروا كأكرم ما تكون الأمم في التاريخ! من معاني الفضيلة والمثل العليا. فقد قال عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موطن: (فإن شئت أن تعرف أن ما يحرّكه، إنما هو قوة قدسية، فانظر إلى إجراءاته في هذه الجزيرة الواسعة! ألا ترى هذه الأقوام المختلفة البدائية في هذه الصحراء الشاسعة، المتعصبين لعاداتهم، المعاندين في عصبيتهم وخصامهم، كيف رفع هذا الشخص جميعَ أخلاقهم السيئة البدائية وقلعها في زمان قليل دفعة واحدة؟ وجهّزهم بأخلاق حسنة عالية؛ فصيّرهم معلمي العالم الإنساني وأساتيذ الأمم المتمدنة)(2).

(1) الكلمات: 19.

(2) الكلمات: 258.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٣٠٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٣٠٠٦