تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن بكاء بديع الزمان يرجع إلى أنه كان يبصر الصورة الحقيقية للإنسان: صورة الروح. لقد كان ينفذ ببصره من خلال صورة البدن؛ إلى ما هنالك من حقائق باطنة: النفس الزكية أو النفس الشقية، فيبصر في ضوء ذلك مآلات المستقبل، ويبكي لهول ما يرى! لقد كان منهجه التفكري الاستبصاري قائما على قراءة حركة التاريخ، في صيرورتها المقبلة، بقواعد العلم، والسنن الجارية في الكون وفي المجتمع. ولذلك جاء في قوله العجيب: (لو أمكن عرض ما سيقع من أحداث مقبلة بعد خمسين سنة مثلاً، على شاشةٍ الآن، مثلما تُعرض الأحداث الماضية عليها؛ لبكى أربابُ الغفلة والسفاهة بكاءً مراً أليماً على ما يضحكون له الآن!)(1).

إن من أسباب الغواية أن الإنسان إذ تأسره صورته الخزفية؛ يعيش للحظة التي هو فيها. وإن تفكر في المستقبل؛ ففي اتجاه العيش الحيواني الساذج، ليس إلا. إنه عادة ما يضعف عن محاولة خرق حواجز النفس؛ إلى التفكر في نهاياتها، وفيما تحتمله تلك النهايات من مفاجآت واحتمالات! فذلك أمر تكرهه النفس بطبيعتها. ومن هنا كان أسلوب النورسي حملها على تلك المشقة، التي هي حقيقة مرة، ولكنها حقيقة! حتمية لا مفر منها: الهرم والموت! ثم ماذا بعد؟ أين صورة الإنسان؟ أين ماهيته؟ تلك هي القضية! قال في (اللمعات)، بعدما أبصر صور الشباب في مآلاتها المقبلة: (إن خمسة من كل خمسين من هؤلاء البائسين الضاحكين الآن، والذين يمرحون في نشوة وبهجة، سيكونون كهولاً بعد خمسين عاماً، وقد انحنت منهم الظهور، وناهز العمر السبعين! والخمسة والأربعون الباقية يُرمّون في القبور!)(2).

(1) الكلمات: 159.

(2) اللمعات: 446.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٣٠٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٣٠٠٣