إن (المستقبلية الوجودية)، و(المستقبلية الاجتماعية) التي كانت تطبع نظرات بديع الزمان جعلته ينفذ ببصره إلى أعماق الحركة التاريخية، ويبصر ما يتوقع أن تصير إليه الحالات من مآلات! فصار يعالج المسألة الخلقية بمنهج استبصاري نادر ومؤثر. ومن ألطف إشاراته رحمه الله في هذا السياق قصته التي حكاها في كتاب (الشعاعات)، حيث كان مرة في سجن (أسكي شهر) يطل من النافذة، فرأى بنات صغيرات يلعبن ويمرحن في عيد الجمهورية، فانخرط في بكاء حار، أثار انتباه رفقاء سجنه؛ فاستفسروه عن سبب بكائه؛ فكانت قصته الغريبة. قال رحمه الله: (كنت في أحد أيام عيد الجمهورية جالسا أمام شباك سجن "أسكي شهر" الذي يطل على مدرسة إعدادية للبنات.. وكانت طالباتها اليافعات يلعبن ويرقصن في ساحة المدرسة وفنائها، ببهجة وسرور، فتراءت لي فجأة على شاشة معنوية ما يؤول إليه حالهن بعد خمسين سنة! فرأيت: أن نحواً من خمسين من مجموع ما يقارب الستين طالبة؛ يتحولن إلى تراب ويعذبن في القبر! وأن عشرة منهن قد تحولن إلى عجائز دميمات، بلغن السبعين والثمانين من العمر! شاهت وجوههن، وتشوه حسنهن، يقاسين الآلام، من نظرات التقزز والاستهجان؛ من الذين كنّ يتوقعن منهم الإعجاب والحب، حيث لم يصنّ عفتهن أيام شبابهن! نعم رأيت هذا بيقين قاطع، فبكيت على حالهن المؤلمة بكاء ساخناً؛ أثار انتباه البعض من زملاء السجن، فأسرعوا إليّ مستفسرين!)(1).
(1) الشعاعات: 247.