تشبهوا بالواجب " ! التي تقررها غايةً قصوى للإنسانية؟ أين ماهية الإنسان التي عجنت بالعجز، والضعف، والفقر، والحاجة غير المحدودة؛ من ماهية واجب الوجود؟ وهو الله القدير القوي الغني المتعال!!)(1).
من هنا إذن؛ كانت الأخلاق عند النورسي (تطبع صورة الروح الإنسانية بماهيتها)، كما عبرنا في التعريف. بحيث تبرز طبيعتها الاستنادية ووجودها الحرفي؛ حتى تتعلق بخالقها فناء وبقاء، وتتفانى في خدمة المقاصد التعبدية لوجودها. وتكسب بذلك معناها وتحقق ماهيتها. ومن هنا أيضا حرص بديع الزمان على الاهتمام بصورة الروح بدل صورة الجسم؛ رغبة في تجلية الماهية الروحية للإنسان التي هي سر البقاء فيه؛ على حساب الماهية الطينية، التي ليست سوى مظهر من مظاهر الفناء. وبذلك فسر رحمه الله - في إشارات لطيفة - سر فرض الحجاب على المرأة المسلمة. إذ لم يعتبره فقط نوعا من الوقاية من الوقوع في الغواية والفتنة، وإنما اعتبره رمزا عميقا للدلالة على الماهية الروحية للإنسان. فكأنه أخفى الصورة الكاذبة؛ ليدلك على الصورة الحقيقية. وهذا غاية من الدقة واللطافة في تدبر النصوص القرآنية، والتفكر في الطبيعة الاجتماعية للمجتمع الإسلامي، في مثاليته الراقية. يقول النورسي رحمه الله: (إن القرآن يأمر النساء أن يحتجبن بحجاب الحياء؛ رحمةً بهن، وصيانة لحرمتهن وكرامتهن؛ ولكيلا تهان تلك المعادن الثمينة، معادن الشفقة والرأفة، وتلك المصادر اللطيفة للحنان والرحمة؛ تحت أقدام الذل والمهانة، ولكي لا يكنّ آلة لهوسات الرذيلة، ومتعة تافهة لا قيمة لها. أما المدنية فإنها قد أخرجت النساء من أوكارهن وبيوتهن، ومزقت حجابهن، وأدت بالبشرية إلى أن يجنَّ جنونها. علماً أن الحياة العائلية إنما تدوم بالمحبة، والاحترام المتبادل بين الزوج والزوجة. بينما التكشف والتبرج يزيلان تلك المحبة الخالصة، والاحترام الجاد، ويسممان الحياة العائلية؛ ولا سيما
(1) الكلمات: 643ـ644.