تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هذا الحدس الاستبصاري الكاشف، الذي كان يتمتع به بديع الزمان النورسي رحمه الله، هو الذي ساعده على النفاذ - في معالجة المسألة الخلقية - إلى أغوار النفس الباطنة، تشخيصا وتعليلا، ثم تطبيبا ووصفا. فكما كان يحاول إزاحة حجب الزمن؛ لاستبصار المستقبل؛ فقد كان يحاول إزاحة حجب البدن؛ لاستبصار ماهية النفس؛ قصد تهذيبها وتشذيبها، وطبع أخلاقها. وبيان ذلك كما يلي:

- الأخلاق تطبع صورة الروح الإنسانية بماهيتها

إن مفهوم الأخلاق لدى بديع الزمان - كما تَقَطَّر من تفكراته القرآنية - يرجع إلى معنى تربوي خصوصي. إذ هو تنقيح لـ(ماهية الإنسان) من شوائب الأنانية الوجودية، وخزف الصنمية الكاذبة. وذلك بتجلية صورة الروح الإنسانية، وتصفيتها حتى تبدو مرآتها على أجلى حقائقها، من حيث كونها أكمل رمز للعبودية. وفي ذلك تتميز الأخلاق القرآنية عن أخلاق الفلسفة، التي تكثف الحجب الكاذبة على حقيقة الإنسان وماهيته، فتوهمه أنه إله من دون الله الواحد القهار. إن الفلسفة تنطلق منذ القديم من أسطورة (انتزاع) شعلة المعرفة من (إله المعرفة)، إنها سليلة مبدأ الصراع بين الآلهة والإنسان. ولذلك أنتجت الفكر الفلسفي الغربي ذا الطبيعة المتمردة على كل شيء، بما في ذلك القيم الإنسانية المثلى. إن تلميذ الفلسفة يسعى إلى عبادة نفسه وتمجيدها. وفي هذا السياق فرق بديع الزمان بين مفهوم (التخلق بأخلاق الله)، الذي سبق بيانه، وبين مفهوم (التشبه بالله)، الذي هو غاية الفكر الفلسفي في نظريته الأخلاقية. فإذا كان الأول نفيا (للأنا)، فإن الثاني ترسيخ لها وتصنيم! قال رحمه الله في تتمة نص سبق إيراده في سياق التخلق بأخلاق الله: (من القواعد المقررة للنبوة في حياة الإنسان الشخصية، التخلق بأخلاق الله. أي كونوا عباد الله المخلصين، متحلين بأخلاق الله محتمين بحماه معترفين في قرارة أنفسكم بعجزكم وفقركم وقصوركم. فأين هذه القاعدة الجليلة من قول الفلسفة: "

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٩٨