ونقتطف ههنا كلمة لأستاذنا الدكتور محسن عبد الحميد في تقديمه لكتاب إشارات الإعجاز، تبين مدى وعي النورسي بخطورة الحرب الأخلاقية، التي يقودها الغرب ضد المسلمين، ومدى تأثير ذلك على نظام القرآن كله، من حيث إن الأخلاق الإسلامية إنما هي نظام القرآن. يقول حفظه الله: (لقد كان أسلوب رسائل النور في وضوحه الحاسم، وهدوئه العلمي الباهر، وبيانه الذوقي الرفيع، وحججه العقلية الدامغة؛ هو البديل العصري الذكي؛ لأسلوب إثبات إعجاز القرآن اللغوي، والبياني، والعقلي، من خلال نظرية النظم، لأن ما أثاره الأعداء لم يكن يتصل بالطعن في بلاغة القرآن، أو مناقشة ما يتعلق بإعجازه، أو بتناسب سوره وآيه وكلماته. وإنما كان يركز على شن هجوم عام، شامل، على أصول الإيمان، وحكمة التشريعات، ومحاولة تفكيك النظام الأخلاقي الذي جاء به القرآن الكريم. لقد وعى الأستاذ النورسى التغييرات الهائلة، التي أحدثها الصراع الجديد؛ فتوجّه إليها بحقائق القرآن، التي قدمها من خلال أصول المنطق العقلي الفطري، وعلوم ومعارف عصره)(1).
حقيقةً؛ لقد عالج بديع الزمان المسألة الخلقية بمنهج استبصاري غريب! فقد كشف الستار ببصيرته النافذة، وفراسته المستنيرة بنور القرآن؛ فخاطب ما كان يتوقعه من حال الأمة بعد خمسين سنة قادمة، وهو تماما ما نشهدها عليه اليوم من أحوال، في مستهل الألفية الثالثة! يقول رحمه الله عن أوضاع زمانه، وما توقعه بعدها: (فالأوضاع الحاضرة ستنعكس على الجيل الآتي لهذه الأمة – البطلة، المتدينة، الغيورة على شرفها - بعد خمسين سنة. ولا يخفى عليكم ما ستؤول إليه السجايا الدينية، والأخلاقية الاجتماعية)(2)، ثم يتوجه بالكلام إلى الجيل الذي يأتي بعده، مناديا بصورة عجيبة: (يا إخوتي! ويا زملائي الذين يسمعون هذا الكلام بعد خمسين عاماً!)(3).
(1) من مقدمة د.محسن عبد الحميد لإشارات الإعجاز: 8.
(2) الملاحق: 234.
(3) صيقل الإسلام: 518.