فما وجود الإنسان إذن؛ إلا رشحة من رشحات الأسماء الحسنى؛ خلقا ورعاية وتكريما. وما غاية ذلك كله إلا أن يسعى هذا المخلوق المكرم إلى تحقيق العبودية؛ بدورانه حول هذا الفلك العظيم؛ رغبة ورهبة. وذلك هو ما قصده بديع الزمان من تعبير (التخلق بالأخلاق الإلهية)، أو تعبير (التخلق بأخلاق الله)، الذي أورده في كثير من المواطن، من مثل قوله رحمه الله: (إن الغاية القصوى للإنسانية والوظيفة الأساسية للبشرية هي التخلق بالأخلاق الإلهية، أي التحلي بالسجايا السامية والخصال الحميدة - التي يأمر بها الله سبحانه - وأن يعلم الإنسانُ عجزَه فيلتجئ إلى قدرته تعالى، ويرى ضعفَه فيحتمي بقوته تعالى، ويشاهد فقرَه فيلوذ برحمته تعالى، وينظر إلى حاجته فيستمد من غناه تعالى، ويعرف قصوره فيستغفر ربه تعالى، ويلمس نقصه فيسبّح ويقدّس كماله تعالى)(1)، بمعنى أن الانتساب إلى الله عبادة وسلوكا هو استنارة بأنوار أسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ رغبا ورهبا. وعلى هذا المعنى حمل دلالة الحديث المذكور: (إن الله خلق الإنسان على صورة الرحمن). فالاعتراف بالعجز والضعف البشريين، يؤول إلى طلب الانتساب إلى القوة والعظمة، والاحتماء بظلالهما. وإنما كمال ذلك وحقيقته متمثل في ذات الله رب العالمين. وطلب السمو بفعل الخضوع هو عين العبودية، وهو عين التخلق بأخلاق الله. ذلك أن (من القواعد المقررة للنبوة في حياة الإنسان الشخصية، التخلق بأخلاق الله. أي كونوا عباد الله المخلصين، متحلين بأخلاق الله محتمين بحماه معترفين في قرارة أنفسكم بعجزكم وفقركم وقصوركم)(2).
(1) الكلمات: 642.
(2) الكلمات: 643.